سورة هود · الآية ٨٧
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء الكيل والميزان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم. وقال الثوري في قوله: {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} يعنون الزكاة. وقولهم: {إنك لأنت الحليم الرشيد} قال ابن عباس، وميمون بن مهران، وابن جريج، وابن أسلم، وابن جرير: يقولون ذلك -أعداء الله -على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فعل. يقول لهم أرأيتم يا قوم {إن كنت على بينة من ربي} أي: على بصيرة فيما أدعو إليه، {ورزقني منه رزقا حسنا} قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين. وقال الثوري: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي: لا أنهاكم عن شيء (1) وأخالف أنا في السر فأفعله خفية (2) عنكم، كما قال قتادة في قوله: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه (3) {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي، {وما توفيقي} أي: في إصابة الحق فيما أريده {إلا بالله عليه توكلت} في جميع أموري، {وإليه أنيب} أي: أرجع، قاله مجاهد وغيره. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير (4) الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أن أخاه مالكا قال: يا معاوية، إن محمدا أخذ جيراني، فانطلق إليه، فإنه قد كلمك وعرفك، فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني، فقد كانوا أسلموا. فأعرض عنه. [فقام متمعطا] (5) فقال: أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. وجعلت أجره وهو يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تقول؟ " فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك. إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أو قد قالوها -أو قائلهم -ولئن فعلت ذلك ما ذاك إلا علي، وما عليهم من ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه (6) . وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز (7) بن حكيم، عن أبيه، عن جده
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٤٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٤٤) ↗التحرير والتنوير
وجاء باسم الفاعل الذي هو حقيقة في الاتصاف بالفعل في زمان الحال تقريبا لإيمانهم بإظهار الحرص على حصوله في الحال واستعجالا بإيمانهم لئلا يفجأهم العذاب فيفوت التدارك. وجملة وما أنا عليكم بحفيظ في موضع الحال من ضمير اعبدوا ونظائره، أي افعلوا ذلك باختياركم لأنه لصلاحكم ولست مكرهكم على فعله. والحفيظ: المجبر، كقوله: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ [الشورى: 48] وتقدم عند قوله تعالى: وما جعلناك عليهم حفيظا في سورة الأنعام [107] . والمقصود من ذلك استنزال طائرهم لئلا يشمئزوا من الأمر. وهذا استقصاء في الترغيب وحسن الجدال. [87] 87] قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) كانت الصلاة من عماد الأديان كلها. وكان المكذبون الملحدون قد تمالؤوا في كل أمة على إنكارها والاستهزاء بفاعلها أتواصوا به بل هم قوم طاغون [الذاريات: 53] ، فلما كانت الصلاة أخص أعماله المخالفة لمعتادهم جعلوها المشيرة عليه بما بلغه إليهم من أمور مخالفة لمعتادهم- بناء على التناسب بين السبب والمسبب في مخالفة المعتاد- قصدا للتهكم به والسخرية عليه تكذيبا له فيما جاءهم به، فإسناد الأمر إلى الصلوات غير حقيقي إذ قد علم كل العقلاء أن الأفعال لا تأمر. والمعنى أن صلاته تأمره بأنهم يتركون، أي تأمره بأن يحملهم على ترك ما يعبد آباؤهم. إذ معنى كونه مأمورا بعمل غيره أنه مأمور بالسعي في ذلك بأن يأمرهم بأشياء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٤١) ↗