سورة هود · الآية ٨٦
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء الكيل والميزان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
إن قوله: وما كانت أمك بغيا [مريم: 28] من هذا القبيل، أي باغية. وقيل: أصله فعول بغوي فوقع إبدال وإدغام. وتأول الزمخشري ما هنا على أنه صفة لمحذوف، أي بمكان بعيد، أو بشيء بعيد عن الاحتمالين في معاد ضمير هي. [84- 86] وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قوله: وإلى مدين أخاهم شعيبا- إلى قوله- من إله غيره نظير قوله: وإلى ثمود أخاهم صالحا [هود: 61] إلخ. أمرهم بثلاثة أمور: أحدها: إصلاح الاعتقاد، وهو من إصلاح العقول والفكر. وثالثها: صلاح الأعمال والتصرفات في العالم بأن لا يفسدوا في الأرض. ووسط بينهما الثاني: وهو شيء من صلاح العمل خص بالنهي لأن إقدامهم عليه كان فاشيا فيهم حتى نسوا ما فيه من قبح وفساد، وهذا هو الكف عن نقص المكيال والميزان. فابتدأ بالأمر بالتوحيد لأنه أصل الصلاح ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت متفشية فيهم، وهي خيانة المكيال والميزان. وقد تقدم ذلك في سورة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٣٦) ↗