البيانابحثاسألالموضوعات

سورة هود · الآية ٣

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: هذا { كتاب } عظيم، ونزل كريم، { أحكمت آياته } أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه. { ثم فصلت } أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان، { من لدن حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خبير } مطلع على الظواهر والبواطن. فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة. وإنما أنزل الله كتابه ل { ألا تعبدوا إلا الله } أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. { إنني لكم } أيها الناس { منه } أي: من الله ربكم { نذير } لمن تجرأ على المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، { وبشير } للمطيعين لله بثواب الدنيا والآخرة. { وأن استغفروا ربكم } عن ما صدر منكم من الذنوب { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلون من أعماركم بالرجوع إليه، بالإنابة والرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه. ثم ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة فقال: { يمتعكم متاعا حسنا } أي: يعطيكم من رزقه ما تتمتعون به وتنتفعون. { إلى أجل مسمى } أي: إلى وقت وفاتكم { ويؤت } منكم { كل ذي فضل فضله } أي: يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره، ما هو جزاء لإحسانهم، من حصول ما يحبون، ودفع ما يكرهون. { وإن تولوا } عن ما دعوتكم إليه، بل أعرضتم عنه، وربما كذبتم به { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي قوله: { وهو على كل شيء قدير } كالدليل على إحياء الله الموتى، فإنه قدير على كل شيء، ومن جملة الأشياء إحياء الموتى، وقد أخبر بذلك وهو أصدق القائلين، فيجب وقوع ذلك عقلا ونقلا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ١–٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل:97] ، (9) (10) وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في (1) امرأتك" (2) . وقال ابن جرير: حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره (3) . وقوله: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم معاده (4) لا محالة، {إلى الله مرجعكم} أي: معادكم يوم القيامة، {وهو على كل شيء قدير} أي: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة (5) الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب، كما أن الأول مقام ترغيب. قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم، وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية. رواه البخاري من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر؛ أن ابن عباس قرأ: "ألا إنهم تثنوني (6) صدورهم"، فقلت: يا أبا عباس، ما تثنوني (7) صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحيي -أو: يتخلى فيستحيي فنزلت: "ألا إنهم تثنوني (8) صدورهم". وفي لفظ آخر له: قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ (9) ابن عباس "ألا إنهم يثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم".

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٠٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ربكم} [هود: 3] وأن اعملوا أيها الناس من الأعمال ما يرضي ربكم عنكم، فيستر عليكم عظيم ذنوبكم التي ركبتموها بعبادتكم الأوثان والأصنام، وإشراككم الآلهة والأنداد في عبادته. وقوله: {ثم توبوا إليه} [هود: 3] يقول: ثم ارجعوا إلى ربكم بإخلاص العبادة له دون ما سواه من سائر ما تعبدون من دونه بعد خلعكم الأنداد، وبراءتكم من عبادتها. ولذلك قيل: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] ولم يقل: وتوبوا إليه؛ لأن التوبة معناها الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والاستغفار: استغفار من

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣١٢) ↗

التحرير والتنوير

[3] 3] وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله عطف على جملة ألا تعبدوا إلا الله [هود: 2] وهو تفسير ثان يرجع إلى ما في الجملة الأولى من لفظ التفصيل، فهذا ابتداء التفصيل لأنه بيان وإرشاد لوسائل نبذ عبادة ما عدا الله تعالى، ودلائل على ذلك وأمثال ونذر، فالمقصود: تقسيم التفسير وهو وجه إعادة حرف التفسير في هذه الجملة وعدم الاكتفاء بالذي في الجملة المعطوف عليها. والاستغفار: طلب المغفرة، أي طلب عدم المؤاخذة بذنب مضى، وذلك الندم. والتوبة: الإقلاع عن عمل ذنب، والعزم على أن لا يعود إليه. و (ثم) للترتيب الرتبي، لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة الأصنام أهم من طلب المغفرة، فإن تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو مسمى التوبة، وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام وبيان لما في ذلك من الفوائد في الدنيا والآخرة. والمتاع: اسم مصدر التمتيع لما يتمتع به، أي ينتفع. ويطلق على منافع الدنيا. وقد تقدم عند قوله تعالى: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين في سورة الأعراف [24] . والحسن: تقييد لنوع المتاع بأنه الحسن في نوعه، أي خالصا من المكدرات طويلا بقاؤه لصاحبه كما دل عليه قوله: إلى أجل مسمى. والمراد بالمتاع: الإبقاء، أي الحياة، والمعنى أنه لا يستأصلهم. ووصفه بالحسن لإفادة أنها حياة طيبة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣١٧) ↗