البيانابحثاسألالموضوعات

سورة هود · الآية ٢

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: هذا { كتاب } عظيم، ونزل كريم، { أحكمت آياته } أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه. { ثم فصلت } أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان، { من لدن حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خبير } مطلع على الظواهر والبواطن. فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة. وإنما أنزل الله كتابه ل { ألا تعبدوا إلا الله } أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. { إنني لكم } أيها الناس { منه } أي: من الله ربكم { نذير } لمن تجرأ على المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، { وبشير } للمطيعين لله بثواب الدنيا والآخرة. { وأن استغفروا ربكم } عن ما صدر منكم من الذنوب { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلون من أعماركم بالرجوع إليه، بالإنابة والرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه. ثم ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة فقال: { يمتعكم متاعا حسنا } أي: يعطيكم من رزقه ما تتمتعون به وتنتفعون. { إلى أجل مسمى } أي: إلى وقت وفاتكم { ويؤت } منكم { كل ذي فضل فضله } أي: يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره، ما هو جزاء لإحسانهم، من حصول ما يحبون، ودفع ما يكرهون. { وإن تولوا } عن ما دعوتكم إليه، بل أعرضتم عنه، وربما كذبتم به { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي قوله: { وهو على كل شيء قدير } كالدليل على إحياء الله الموتى، فإنه قدير على كل شيء، ومن جملة الأشياء إحياء الموتى، وقد أخبر بذلك وهو أصدق القائلين، فيجب وقوع ذلك عقلا ونقلا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ١–٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل:97] ، (9) (10) وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في (1) امرأتك" (2) . وقال ابن جرير: حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره (3) . وقوله: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم معاده (4) لا محالة، {إلى الله مرجعكم} أي: معادكم يوم القيامة، {وهو على كل شيء قدير} أي: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة (5) الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب، كما أن الأول مقام ترغيب. قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم، وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية. رواه البخاري من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر؛ أن ابن عباس قرأ: "ألا إنهم تثنوني (6) صدورهم"، فقلت: يا أبا عباس، ما تثنوني (7) صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحيي -أو: يتخلى فيستحيي فنزلت: "ألا إنهم تثنوني (8) صدورهم". وفي لفظ آخر له: قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ (9) ابن عباس "ألا إنهم يثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم".

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٠٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

نذير ينذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام، وبشير يبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألوهة له

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣١٢) ↗

التحرير والتنوير

والتفصيل: التوضيح والبيان. وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني. وقد تقدم عند قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في سورة الأنعام [55] . ونظيره: الفرق، كنى به عن البيان فسمي القرآن فرقانا. وعن الفصل فسمي يوم بدر يوم الفرقان، ومنه في ذكر ليلة القدر فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان: 4] . و (ثم) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح. ومن لدن حكيم خبير أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته، وإيضاح التبيين لقوة علمه. والخبير: العالم بخفايا الأشياء، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز، فالحكيم مقابل ل أحكمت، والخبير مقابل ل فصلت. وهما وإن كانا متعلق العلم ومتعلق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم، إلا أنه روعي في المقابلة الفعل الذي هو أثر إحدى الصفتين أشد تبادرا فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة. [2] 2] ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) (أن) تفسيرية لما في معنى أحكمت آياته ثم فصلت [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل، ولذلك تكرر

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣١٥) ↗