سورة هود · الآية ١٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء ما ذكر، ذكر الحكمة في ذكر ذلك، فقال: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } أي: قلبك ليطمئن ويثبت، ويصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن النفوس تأنس بالاقتداء، وتنشط على الأعمال، وتريد المنافسة لغيرها، ويتأيد الحق بذكر شواهده، وكثرة من قام به. { وجآءك في هذه } السورة { الحق } اليقين، فلا شك فيه بوجه من الوجوه، فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس. { وموعظة وذكرى للمؤمنين } أي: يتعظون به، فيرتدعون عن الأمور المكروهة، ويتذكرون الأمور المحبوبة لله فيفعلونها. وأما من ليس من أهل الإيمان فلا تنفعهم المواعظ وأنواع التذكير، ولهذا قال: { وقل للذين لا يؤمنون } بعد ما قامت عليهم الآيات، { اعملوا على مكانتكم } أي: حالتكم التي أنتم عليها { إنا عاملون } على ما كنا عليه { وانتظروا } ما يحل بنا { إنا منتظرون } ما يحل بكم. وقد فصل الله بين الفريقين، وأرى عباده نصره لعباده المؤمنين، وقمعه لأعداء الله المكذبين. { ولله غيب السموت والأرض } أي: ما غاب فيهما من الخفايا، والأمور الغيبية. { وإليه يرجع الأمر كله } من الأعمال والعمال، فيميز الخبيث من الطيب { فاعبده وتوكل عليه } أي: قم بعبادته، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه، وتوكل على الله في ذلك. { وما ربك بغافل عما تعملون } من الخير والشر، بل قد أحاط علمه بذلك، وجرى به قلمه، وسيجري عليه حكمه وجزاؤه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ١٢٠–١٢٣) ↗التحرير والتنوير
وفي أمر الله رسوله بأن يقول ذلك على لسان المؤمنين شهادة من الله بصدق إيمانهم. وفيه التفويض إلى رأس الأمة بأن يقطع أمرا عن أمته ثقة بأنهم لا يردون فعله. كما قال النبيء صلى الله عليه وسلم لهوازن لما جاءوا تائبين وطالبين رد سباياهم وغنائمهم «اختاروا أحد الأمرين السبي أو الأموال» . فلما اختاروا السبي رجع السبي إلى أهله ولم يستشر المسلمين، ولكنه جعل لمن يطيب ذلك لهوازن أن يكون على حقه في أول ما يجيء من السبي، فقال المؤمنين: طيبنا ذلك. وقوله: وانتظروا إنا منتظرون تهديد ووعيد، كما يقال في الوعيد: سوف ترى. [123] ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) كلام جامع وهو تذييل للسورة مؤذن بختامها، فهو من براعة المقطع. والواو عاطفة كلاما على كلام، أو واو الاعتراض في آخر الكلام ومثله كثير. واللام في لله للملك وهو ملك إحاطة العلم، أي لله ما غاب عن علم الناس في السماوات والأرض. وهذا كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وعدوا من النعيم المغيب عنهم، ونذارة المشركين بما توعدوا به من العذاب المغيب عنهم في الدنيا والآخرة. وتقديم المجرورين في ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر لإفادة الاختصاص، أي الله لا غيره يملك غيب السماوات والأرض، لأن ذلك مما لا يشاركه فيه أحد. وإلى الله لا إلى غيره يرجع الأمر كله، وهو تعريض
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٩٤) ↗