سورة هود · الآية ١١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه آتى موسى الكتاب الذي هو التوراة، الموجب للاتفاق على أوامره ونواهيه، والاجتماع، ولكن مع هذا فإن المنتسبين إليه، اختلفوا فيه اختلافا أضر بعقائدهم وبجامعتهم الدينية. { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب { لقضي بينهم } بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخر القضاء بينهم إلى يوم القيامة، وبقوا في شك منه مريب. وإذا كانت هذه حالهم مع كتابهم فمع القرآن الذي أوحاه الله إليك غير مستغرب من طائفة اليهود، أن لا يؤمنوا به، وأن يكونوا في شك منه مريب. { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } أي: لا بد أن الله يقضي بينهم يوم القيامة بحكمه العدل فيجازي كلا بما يستحقه. { إنه بما يعملون } من خير وشر { خبير } فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم دقيقها وجليلها. ثم لما أخبر بعدم استقامتهم التي أوجبت اختلافهم وافتراقهم، أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة. وقوله: { إنه بما تعملون بصير } أي: لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها، ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة وترهيب من ضدها، ولهذا حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال: { ولا تركنوا } أي: لا تميلوا { إلى الذين ظلموا } فإنكم إذا ملتم إليهم ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم { فتمسكم النار } إن فعلتم ذلك { وما لكم من دون الله من أوليآء } يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصلون لكم شيئا من ثواب الله. { ثم لا تنصرون } أي: لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم، ففي هذه الآية التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم أخبر أن الكافرين في شك -مما جاءهم به الرسول -قوي، فقال {وإنهم لفي شك منه مريب} . ثم أخبرنا (1) تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فقال: {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير} أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها. وفي هذه الآية قراءات كثيرة، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس:32] . يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك. وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تدهنوا وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك. وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم، {فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} أي: ليس لكم من دونه (2) من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال: يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الحسن -في رواية -وقتادة، والضحاك، وغيرهم: هي الصبح والعصر. وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمد بن كعب القرظي، والضحاك في رواية عنه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٥٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
دون الله من ناصر ينصركم وولي يليكم. {ثم لا تنصرون} [هود: 113] يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخليكم من نصرته ويسلط عليكم عدوكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل PageEndV12P600 ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113] يعني: الركون إلى الشرك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} [هود: 113] يقول: لا ترضوا أعمالهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} [هود: 113] يقول: لا ترضوا أعمالهم، يقول: الركون الرضا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} [هود: 113] قال: لا ترضوا أعمالهم فتمسكم النار " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} [هود: 113] قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113] يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113] قال: الركون: الإدهان. وقرأ: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] قال: تركن إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا: وقد قالوا العظيم من كفرهم بالله وكتابه ورسله. قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك، وليس لأهل الإسلام، أما أهل الذنوب من أهل الإسلام فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم، ما ينبغي لأحد أن يصالح على شيء من معاصي الله، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير. الخطاب في قوله: ولا تطغوا موجه إلى المؤمنين الذين صدق عليهم ومن تاب معك. والطغيان أصله التعاظم والجراءة وقلة الاكتراث، وتقدم في قوله تعالى: ويمدهم في طغيانهم يعمهون في سورة البقرة [15] . والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به، قال تعالى: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي [طه: 81] . فنهى الله المسلمين عن مخالفة أحكام كتابه كما نهى بني إسرائيل. وقد شمل الطغيان أصول المفاسد، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودرء المفاسد، فكان النهي عنه جامعا لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما يخشى عليه من عدوى فساد خليطه فهو المنهي عنه بقوله بعد هذا: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار [هود: 113] . وعن الحسن البصري: جعل الله الدين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا [هود: 113] . وجملة إنه بما تعملون بصير استئناف لتحذير من أخفى الطغيان بأن الله مطلع على كل عمل يعمله المسلمون، ولذلك اختير وصف بصير من بين بقية الأسماء الحسنى لدلالة مادته على العلم البين ودلالة صيغته على قوته. [113] 113] ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113) الركون: الميل والموافقة، وفعله كعلم. ولعله مشتق من الركن- بضم فسكون- وهو الجنب، لأن المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه. وهو هنا مستعار
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٧٧) ↗