سورة هود · الآية ١١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه آتى موسى الكتاب الذي هو التوراة، الموجب للاتفاق على أوامره ونواهيه، والاجتماع، ولكن مع هذا فإن المنتسبين إليه، اختلفوا فيه اختلافا أضر بعقائدهم وبجامعتهم الدينية. { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب { لقضي بينهم } بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخر القضاء بينهم إلى يوم القيامة، وبقوا في شك منه مريب. وإذا كانت هذه حالهم مع كتابهم فمع القرآن الذي أوحاه الله إليك غير مستغرب من طائفة اليهود، أن لا يؤمنوا به، وأن يكونوا في شك منه مريب. { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } أي: لا بد أن الله يقضي بينهم يوم القيامة بحكمه العدل فيجازي كلا بما يستحقه. { إنه بما يعملون } من خير وشر { خبير } فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم دقيقها وجليلها. ثم لما أخبر بعدم استقامتهم التي أوجبت اختلافهم وافتراقهم، أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة. وقوله: { إنه بما تعملون بصير } أي: لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها، ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة وترهيب من ضدها، ولهذا حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال: { ولا تركنوا } أي: لا تميلوا { إلى الذين ظلموا } فإنكم إذا ملتم إليهم ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم { فتمسكم النار } إن فعلتم ذلك { وما لكم من دون الله من أوليآء } يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصلون لكم شيئا من ثواب الله. { ثم لا تنصرون } أي: لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم، ففي هذه الآية التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
طاعة الله، والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٩٨) ↗التحرير والتنوير
الفراء، وخامسها القسم المضمر، وسادسها اللام الداخلة على جواب القسم، وسابعها النون المؤكدة في قوله: ليوفينهم. وتوفية أعمالهم بمعنى توفية جزاء الأعمال، أي إعطاء الجزاء وافيا من الخير على عمل الخير ومن السوء على عمل السوء. وجملة إنه بما يعملون خبير استئناف وتعليل للتوفية لأن إحاطة العلم بأعمالهم مع إرادة جزائهم توجب أن يكون الجزاء مطابقا للعمل تمام المطابقة. وذلك محقق التوفية. [112] 112] فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) فاستقم كما أمرت ومن تاب معك. ترتب عن التسلية التي تضمنها قوله: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه [هود: 110] وعن التثبيت المفاد بقوله: فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء [هود: 109] الحض على الدوام على التمسك بالإسلام على وجه قويم. وعبر عن ذلك بالاستقامة لإفادة الدوام على العمل بتعاليم الإسلام، دواما جماعه الاستقامة عليه والحذر من تغييره. ولما كان الاختلاف في كتاب موسى- عليه السلام- إنما جاء من أهل الكتاب عطف على أمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على كتابه أمر المؤمنين بتلك الاستقامة أيضا، لأن الاعوجاج من دواعي الاختلاف في الكتاب بنهوض فرق من الأمة إلى تبديله لمجاراة أهوائهم، ولأن مخالفة الأمة عمدا إلى أحكام كتابها إن هو إلا ضرب من ضروب الاختلاف فيه، لأنه اختلافها على أحكامه. وفي الحديث: «فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» ، فلا جرم أن كانت الاستقامة حائلا دون ذلك، إذ الاستقامة هي العمل بكمال الشريعة بحيث لا ينحرف عنها قيد شبر. ومتعلقها العمل بالشريعة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٧٥) ↗