سورة الهمزة · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ويل } أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب { لكل همزة لمزة } الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك، { يحسب } بجهله { أن ماله أخلده } في الدنيا، فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله، الذي يظن أنه ينمي عمره، ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر. { كلا لينبذن } أي: ليطرحن { في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } تعظيم لها، وتهويل لشأنها. ثم فسرها بقوله: { نار الله الموقدة } التي وقودها الناس والحجارة { التي } من شدتها { تطلع على الأفئدة } أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب. ومع هذه الحرارة البليغة هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها، ولهذا قال: { إنها عليهم مؤصدة } أي: مغلقة، { في عمد } من خلف الأبواب { ممددة } لئلا يخرجوا منها كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها [السجدة: 20]. [نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الهمزة ١–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده. وقوله: {إنها عليهم مؤصدة} أي: مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إنها عليهم مؤصدة} قال: "مطبقة". وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد (1) عن أبي صالح، قوله، ولم يرفعه. {في عمد ممددة} قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السدي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {في عمد ممددة} يعني: الأبواب هي الممدوة (2) . وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة. وقال العوفي، عن ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: {في عمد ممددة} يعني القيود الطوال. آخر تفسير سورة "ويل لكل همزة لمزة"
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهل النار وقيحهم {لكل همزة} [الهمزة: 1] يقول: لكل مغتاب للناس، يغتابهم ويغضهم، كما قال زياد الأعجم: [البحر البسيط] تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا %~% وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه ويعني باللمزة: الذي يعيب الناس، ويطعن فيهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦١٦) ↗التحرير والتنوير
عليها، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اه. قلت: وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في «المقامة السابعة والثلاثين» : «صه يا عقق، يا من هو الشجا والشرق» . وهمزة: وصف مشتق من الهمز. وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه، ويقال: هامز وهماز، وصيغة فعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف. ووقع همزة وصفا لمحذوف تقديره: ويل لكل شخص همزة، فلما حذف موصوفه صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه (كل) . ولمزة: وصف مشتق من اللمز وهو المواجعة بالعيب، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة. وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ، ومن عامل من المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد. فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه فإنها خصلة من خصال أهل الشرك. وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم. وسب الصحابة رضي الله عنهم وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر. وأتبع الذي جمع مالا وعدده لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال. وإنما ينشأ ذلك عن بخل النفس والتخوف من الفقر، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد. واسم الموصول من قوله: الذي جمع مالا نعت آخر ولم يعطف الذي بالواو لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٣٧) ↗