سورة يونس · الآية ٧٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نبأ نوح } في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي: إن كان مقامي عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بآيات الله } الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. { فعلى الله توكلت } أي: اعتمدت على الله في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العدد والعدد. { فأجمعوا أمركم } كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئا. { و } أحضروا { شركآءكم } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } أي: مشتبها خفيا، بل ليكن ذلك ظاهرا علانية. { ثم اقضوا إلي } أي: اقضوا علي بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، { ولا تنظرون } أي: لا تمهلون ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم وفساد دينهم وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقا، وهم الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: { فإن توليتم } عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا { فما سألتكم من أجر } على دعوتي وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من الإسلام لله عز وجل، والإسلام هو دين [جميع] (1) الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] . قال ابن عباس: سبيلا وسنة. فهذا نوح يقول: {وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل: 91] ، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 131، 132] ، وقال يوسف: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . وقال موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] . وقالت (2) السحرة: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] . وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] . وقال [الله] (3) تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] وقال خاتم الرسل وسيد البشر: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162، 163] أي: من هذه الأمة؛ ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد" (4) أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: "أولاد علات"، وهم: الإخوة من أمهات شتى والأب واحد. وقوله تعالى: {فكذبوه فنجيناه ومن معه} (5) أي: على دينه {في الفلك} وهي: السفينة، {وجعلناهم خلائف} أي: في الأرض، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إليه من الحق والإقرار بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، وترك إشراك الآلهة في عبادته، فتضيع منكم، وتفريط في واجب حق الله عليكم، لا بسبب من قبلي؛ فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرا ولا عوضا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٢٣٥) ↗التحرير والتنوير
و (ثم) في قوله: ثم اقضوا إلي للتراخي في الرتبة، فإن رتبة إنفاذ الرأي بما يزعمون عليه من أذاه أقوى من تدبير ذلك، ومن رتبة إجماع الرأي عليه فهو ارتقاء من الشيء إلى أعلى منه، فعطف ب (ثم) التي تفيد التراخي في الرتبة في عطفها الجمل. واقضوا أمر من القضاء، فيجوز أن يكون من القضاء بمعنى الإتمام والفصل، أي أنفذوا ما ترونه من الإضرار بي. ويجوز أن يكون من القضاء بمعنى الحكم، وهو قريب من الوجه الأول، أي أنفذوا حكمكم. وعدي ب (إلى) دون (على) لأنه ضمن معنى الإبلاغ والإيصال تنصيصا على معنى التنفيذ بالفعل، لأن القضاء يكون بالقول فيعقبه التنفيذ أو الإرجاء أو العفو، ويكون بالفعل، فهو قضاء بتنفيذ. ويسمى عند الفقهاء بالقضاء الفعلي. وقوله: ولا تنظرون تأكيد المدلول التضمين المشار إليه بحرف (إلى) . والإنظار التأخير، وحذفت ياء المتكلم من تنظرون للتخفيف، وهو حذف كثير في فصيح الكلام، وبقاء نون الوقاية مشعر بها. [72] 72] فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) الفاء لتفريع الكلام على الكلام فجملة الشرط وجوابه مفرعتان على الجملتين السابقتين، ولما كان توليهم عن دعوته قد وقع واستمر تعين أن جعل التولي في جملة الشرط مراد به ما كان حصل ليرتب عليه جواب الشرط الذي هو شيء قد وقع أيضا. وإنما قصد إقرارهم به قطعا لتعللاتهم واستقصاء لقطع معاذيرهم. والمعنى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٤٠) ↗