سورة يونس · الآية ٧١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نبأ نوح } في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي: إن كان مقامي عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بآيات الله } الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. { فعلى الله توكلت } أي: اعتمدت على الله في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العدد والعدد. { فأجمعوا أمركم } كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئا. { و } أحضروا { شركآءكم } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } أي: مشتبها خفيا، بل ليكن ذلك ظاهرا علانية. { ثم اقضوا إلي } أي: اقضوا علي بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، { ولا تنظرون } أي: لا تمهلون ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم وفساد دينهم وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقا، وهم الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: { فإن توليتم } عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا { فما سألتكم من أجر } على دعوتي وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من الإسلام لله عز وجل، والإسلام هو دين [جميع] (1) الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] . قال ابن عباس: سبيلا وسنة. فهذا نوح يقول: {وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل: 91] ، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 131، 132] ، وقال يوسف: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . وقال موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] . وقالت (2) السحرة: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] . وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] . وقال [الله] (3) تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] وقال خاتم الرسل وسيد البشر: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162، 163] أي: من هذه الأمة؛ ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد" (4) أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: "أولاد علات"، وهم: الإخوة من أمهات شتى والأب واحد. وقوله تعالى: {فكذبوه فنجيناه ومن معه} (5) أي: على دينه {في الفلك} وهي: السفينة، {وجعلناهم خلائف} أي: في الأرض، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هؤلاء المشركين الذي قالوا: اتخذ الله ولدا من قومك {نبأ نوح} [يونس: 71] يقول: خبر نوح، {إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي} [يونس: 71] يقول: إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشق عليكم، {وتذكيري بآيات الله} [يونس: 71] يقول: ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك. {فعلى الله توكلت} [يونس: 71] يقول: إن كان شق عليكم مقامي بين أظهركم وتذكيري بآيات الله فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي وهو سندي وظهري
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٢٣٠) ↗التحرير والتنوير
وجملة: ثم نذيقهم العذاب الشديد بيان لجملة: ثم إلينا مرجعهم. وحرف (ثم) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع الحصول في نفاذ حكم الله. والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبيء صلى الله عليه وسلم تبليغا عن الله تعالى. وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان. والباء في بما كانوا يكفرون للتعليل. وقوله: كانوا يكفرون يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر. [71] 71] واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) انتقال من مقارعة المشركين بالحجج الساطعة على بطلان دينهم، وبالدلائل الواضحة على تفنيد أكاذيبهم وتكذيبهم وما تخلل ذلك من الموعظة والوعيد بالعذاب العاجل والآجل والإرهاب، إلى التعريض لهم بذكر ما حل بالأمم المماثلة أحوالها لأحوالهم، استقصاء لطرائق الحجاج على أصحاب اللجاج فإن نوحا- عليه السلام- مع قومه مثل لحال محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قومه في ابتداء الأمر وتطوره، ففي ذكر عاقبة قوم نوح- عليه السلام- تعريض للمشركين بأن عاقبتهم كعاقبة أولئك أو أنهم إنما يمتعون قليلا ثم يؤخذون أخذة رابية،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٣٤) ↗