سورة يونس · الآية ٧٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نبأ نوح } في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي: إن كان مقامي عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بآيات الله } الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. { فعلى الله توكلت } أي: اعتمدت على الله في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العدد والعدد. { فأجمعوا أمركم } كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئا. { و } أحضروا { شركآءكم } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } أي: مشتبها خفيا، بل ليكن ذلك ظاهرا علانية. { ثم اقضوا إلي } أي: اقضوا علي بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، { ولا تنظرون } أي: لا تمهلون ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم وفساد دينهم وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقا، وهم الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: { فإن توليتم } عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا { فما سألتكم من أجر } على دعوتي وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من الإسلام لله عز وجل، والإسلام هو دين [جميع] (1) الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] . قال ابن عباس: سبيلا وسنة. فهذا نوح يقول: {وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل: 91] ، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 131، 132] ، وقال يوسف: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . وقال موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] . وقالت (2) السحرة: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] . وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] . وقال [الله] (3) تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] وقال خاتم الرسل وسيد البشر: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162، 163] أي: من هذه الأمة؛ ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد" (4) أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: "أولاد علات"، وهم: الإخوة من أمهات شتى والأب واحد. وقوله تعالى: {فكذبوه فنجيناه ومن معه} (5) أي: على دينه {في الفلك} وهي: السفينة، {وجعلناهم خلائف} أي: في الأرض، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
السفينة. {وجعلناهم خلائف} [يونس: 73] يقول: وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأرض من قومه الذين كذبوه بعد أن أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا، ورسالة رسولنا نوح. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المنذرين، وهم الذين أنذرهم نوح عقاب الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام، يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولهم، فإن عاقبة من كذبك من قومك إن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه، يقول جل ثناؤه: فليحذروا أن يحل بهم مثل الذي حل بهم إن لم يتوبوا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٢٣٦) ↗التحرير والتنوير
وتخليصها لله تعالى دون غيره. كما في قوله تعالى: فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن [آل عمران: 20] . وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاما في مختلف العصور وسمى الله به سنن الرسل فحكاه عن نوح- عليه السلام- هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] ، وعن إسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين لك [البقرة: 128] ، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم ونحن له مسلمون [البقرة: 133] ، وعن يوسف توفني مسلما [يوسف: 101] ، وعن موسى وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [يونس: 8] ، وعن سليمان ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين [النمل: 31] ، وعن عيسى والحواريين قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون [المائدة: 111] . وقد تقدم بيان ذلك مفصلا عند قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك في سورة البقرة [128] . وقوله: أن أكون من المسلمين أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من: أن أكون مسلما، كما تقدم عند قوله تعالى: واركعوا مع الراكعين في سورة البقرة [43] ، وعند قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين في سورة براءة [119] . [73] 73] فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) الفاء للتفريع الذكري، أي تفريع ذكر هذه الجمل على ذكر الجمل السابقة لأن الشأن أن تكون لما بعد الفاء مناسبة لما قبلها تقتضي أن يذكر بعدها فيؤتى بالفاء للإشارة إلى تلك المناسبة، كقوله تعالى: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين [الزمر: 72] ، وإلا فإن تكذيب قوم نوح حصل قبل أن يقول لهم: إن كان كبر عليكم مقامي [يونس: 71] إلخ، لأنه ما قال لهم ذلك إلا وقد رأى منهم تجهم دعوته.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٤٢) ↗