سورة يونس · الآية ٧٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخبرا عن بهت المشركين لرب العالمين { قالوا اتخذ الله ولدا } فنزه نفسه عن ذلك بقوله: { سبحانه } أي: تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوا كبيرا، ثم برهن على ذلك بعدة براهين: أحدها: قوله: { هو الغني } أي: الغنى منحصر فيه، وأنواع الغنى مستغرقة فيه، فهو الغني الذي له الغنى التام بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه، فإذا كان غنيا من كل وجه، فلأي شيء يتخذ الولد؟ ألحاجة منه إلى الولد، فهذا مناف لغناه فلا يتخذ أحد ولدا إلا لنقص في غناه. البرهان الثاني، قوله: { له ما في السموت وما في الأرض } وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض، الجميع مخلوقون عبيد مماليك. ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ينافي أن يكون له منهم ولد، فإن الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقا ولا مملوكا. فملكيته لما في السماوات والأرض عموما تنافي الولادة. البرهان الثالث، قوله: { إن عندكم من سلطان بهذآ } أي: هل عندكم من حجة وبرهان يدل على أن لله ولدا، فلو كان لهم دليل لأبدوه، فلما تحداهم وعجزهم عن إقامة الدليل، علم بطلان ما قالوه. وأن ذلك قول بلا علم، ولهذا قال: { أتقولون على الله ما لا تعلمون } فإن هذا من أعظم المحرمات. { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم في الدنيا قليلا، ثم ينتقلون إلى الله ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون [آل عمران: 117].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٦٨–٧٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 88 -95] . ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين، ممن زعم أنه له ولدا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ، كما قال ها هنا: {متاع في الدنيا} أي: مدة قريبة، {ثم إلينا مرجعهم} أي: يوم القيامة، {ثم نذيقهم العذاب الشديد} أي: الموجع المؤلم {بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما ادعوه من الإفك والزور. يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه: {واتل عليهم} أي: أخبرهم واقصص عليهم، أي: على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك {نبأ نوح} أي: خبره مع قومه الذين كذبوه، كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك. {إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم} أي: عظم عليكم، {مقامي} أي فيكم بين أظهركم، {وتذكيري} إياكم {بآيات الله} أي: بحججه وبراهينه، {فعلى الله توكلت} أي: فإني لا أبالي ولا أكف عنكم (1) سواء عظم عليكم أو لا! {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله، من صنم ووثن، {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون، فاقضوا إلي ولا تنظرون، أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي: مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم (2) ولا أخاف منكم، لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 54 -56] . {فإن توليتم} أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة، {فما سألتكم من أجر} أي: لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا، {إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٢٢٩) ↗التحرير والتنوير
والسلطان: البرهان والحجة، لأنه يكسب المستدل به سلطة على مخالفه ومجادله. وقد تقدم عند قوله تعالى: ما نزل الله بها من سلطان في سورة الأعراف [71] . والباء للملابسة، وهي في موضع صفة ل سلطان، أي سلطان ملابس لهذا. والإشارة إلى المقول. والمعنى: لا حجة لكم تصاحب مقولكم بأن الله اتخذ ولدا. وجملة: أتقولون على الله ما لا تعلمون جواب ثالث ناشيء عن الجوابين لأنهم لما أبطل قولهم بالحجة. ونفى أن تكون لهم على قولهم حجة كانوا أحرياء بالتوبيخ والتشنيع بأنهم يجترئون على جناب الله فيصفون الله بما لا يعلمون، أي بما لا يوقنون به، ولكونها جوابا فصلت. فالاستفهام مستعمل في التوبيخ، لأن المذكور بعده شيء ذميم، واجتراء عظيم وجهل كبير مركب. [69، 70] قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) استئناف افتتح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لتنبيه السامعين إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب تبليغه، وذلك أن المقول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا: اتخذ الله ولدا، على مقالتهم تلك، وعلى أمثالها كقولهم: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا [الأنعام: 139] وقولهم: ما كان لآلهتهم من الحرث والأنعام لا يصل إلى الله وما كان لله من ذلك يصل إلى آلهتهم، وقولهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٣٢) ↗