سورة يونس · الآية ٤٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ولكل أمة } من الأمم الماضية { رسول } يدعوهم إلى توحيد الله ودينه. { فإذا جآء } هم { رسولهم } بالآيات، صدقه بعضهم، وكذبه آخرون، فيقضي الله بينهم بالقسط بنجاة المؤمنين، وإهلاك المكذبين { وهم لا يظلمون } بأن يعذبوا قبل إرسال الرسول وبيان الحجة، أو يعذبوا بغير جرمهم، فليحذر المكذبون لك من مشابهة الأمم المهلكين، فيحل بهم ما حل بأولئك. ولا يستبطئوا العقوبة ويقولوا: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } فإن هذا ظلم منهم، حيث طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس له من الأمر شيء، وإنما عليه البلاغ والبيان للناس. وأما حسابهم وإنزال العذاب عليهم فمن الله تعالى، ينزله عليهم إذا جاء الأجل الذي أجله فيه، والوقت الذي قدره فيه، الموافق لحكمته الإلهية. فإذا جاء ذلك الوقت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فليحذر المكذبون من الاستعجال بالعذاب، فإنهم مستعجلون بعذاب الله الذي إذا نزل لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ولهذا قال: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٤٧–٤٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق" (1) فأمته إنما حازت قصب السبق لشرف رسولها، صلوات الله وسلامه عليه [دائما] (2) إلى يوم الدين. يقول تعالى مخبرا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل التعين، مما لا فائدة فيه لهم (3) كما قال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} [الشورى: 18] أي: كائنة لا محالة وواقعة، وإن لم يعلموا وقتها عينا، ولهذا أرشد رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جوابهم فقال: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} أي: لا أقول إلا ما علمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني عليه، فأنا عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة، ولم يطلعني على وقتها، [ولكن] (4) {لكل أمة أجل} أي: لكل قرن مدة من العمر مقدرة (5) فإذا انقضى أجلهم {فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} كما قال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} [المنافقون: 11] ، ثم أخبرهم أن عذاب الله سيأتيهم بغتة، فقال: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا} أي: ليلا أو نهارا، {ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به} يعني: أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] ، وقال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 84، 85] . {ثم قيل (6) للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد} أي: يوم القيامة يقال لهم هذا، تبكيتا وتقريعا، كقوله: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 13 -16] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٧٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم} [يونس: 47] قال: يوم القيامة " وقوله: {قضي بينهم بالقسط} [يونس: 47] يقول قضي حينئذ بينهم بالعدل {وهم لا يظلمون} [يونس: 47] من جزاء أعمالهم شيئا، ولكن يجازى المحسن بإحسانه والمسيء من أهل الإيمان إما أن يعاقبه الله، وإما أن يعفو عنه، والكافر يخلد في النار؛ فذلك قضاء الله بينهم بالعدل، وذلك لا شك عدل لا ظلم حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قضي بينهم بالقسط} [يونس: 47] قال: بالعدل "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٨٩) ↗التحرير والتنوير
ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) عطف على جملة: وإما نرينك بعض الذي نعدهم [يونس: 46] ، وهي بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها. وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة هي منتهى الإمهال، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك. فهذا إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب، فهي ناظرة إلى قوله تعالى: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا [القصص: 59] وقوله: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] . وجملة: لكل أمة رسول ليست هي المقصود من الإخبار بل هي تمهيد للتفريع المفرع عليها بقوله: فإذا جاء رسولهم إلخ، فلذلك لا يؤخذ من الجملة الأولى تعين أن يرسل رسول لكل أمة لأن تعيين الأمة بالزمن أو بالنسب أو بالموطن لا ينضبط، وقد تخلو قبيلة أو شعب أو عصر أو بلاد عن مجيء رسول فيها ولو كان خلوها زمنا طويلا. وقد قال الله تعالى: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك [القصص: 46] . فالمعنى: ولكل أمة من الأمم ذوات الشرائع رسول معروف جاءها مثل عاد وثمود ومدين واليهود والكلدان. والمقصود من هذا الكلام ما تفرع عليه من قوله: فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط. والفاء للتفريع و (إذا) للظرفية مجردة عن الاستقبال، والمعنى: أن في زمن مجيء الرسول يكون القضاء بينهم بالقسط. وتقديم الظرف على عامله وهو (قضي) للتشويف إلى تلقي الخبر. وكلمة (بين) تدل على توسط في شيئين أو أشياء، فتعين أن الضمير الذي أضيفت إليه هنا عائد إلى مجموع الأمة ورسولها، أي قضي بين الأمة ورسولها بالعدل، أي قضى الله بينهم بحسب عملهم مع رسولهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٨٧) ↗