سورة يونس · الآية ١٩
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { وما كان الناس إلا أمة واحدة } متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. { ولولا كلمة سبقت من ربك } بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، { لقضي بينهم } بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم { فيما فيه يختلفون } ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب. { ويقولون } أي: المكذبون المتعنتون، { لولا أنزل عليه آية من ربه } يعنون: آيات الاقتراح التي يعينونها كقولهم: لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا الآيات [الفرقان: 7]. وكقولهم: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الآيات [الإسراء: 90]. { فقل } لهم إذا طلبوا منك آية { إنما الغيب لله } أي: هو المحيط علما بأحوال العباد، فيدبرهم بما يقتضيه علمه فيهم وحكمته البديعة، وليس لأحد تدبير في حكم ولا دليل، ولا غاية ولا تعليل. { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي: كل ينتظر بصاحبه ما هو أهل له، فانظروا لمن تكون العاقبة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ١٩–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام؛ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة} [الأنفال: 42] . وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه؛ وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما فيه اختلفوا، فأسعد المؤمنين، وأعنت الكافرين. أي: ويقول هؤلاء الكفرة [الملحدون] (1) المكذبون المعاندون: "لولا أنزل على محمد آية من ربه"، يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن (2) يحول لهم الصفا ذهبا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا، ونحو ذلك مما الله عليه قادر (3) ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله، كما قال تعالى: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} [الفرقان: 10، 11] وقال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] ، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة. ولهذا لما خير رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بين أن يعطى ما سألوا، فإن أجابوا وإلا عوجلوا، وبين أن يتركهم وينظرهم، اختار إنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة، صلوات الله عليه؛ ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه إلى الجواب عما سألوا: {فقل إنما الغيب لله} أي: الأمر كله لله، وهو يعلم العواقب في الأمور، {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} أي: إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم. هذا مع أنهم قد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم {لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} [يونس: 19] يقول لقضي بينهم بأن يهلك أهل الباطل منهم وينجي أهل الحق. وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في سورة البقرة، وذلك في قوله: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} [البقرة: 213] وبينا الصواب من القول فيه بشواهده فأغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19] حين قتل أحد ابني آدم أخاه " PageEndV12P144 حدثني المثنى، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٤٣) ↗التحرير والتنوير
وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليهم بتهكم بهم بأنهم قد أخبروا الله بأن لهم شفعاء لهم عنده. ومعنى ذلك أن هذا لما كان شيئا اخترعوه وهو غير واقع جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به وكان لا يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف. ومن هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه: ما علم الله هذا مني. وفي ضده قولهم في تأكيد وقوع الشيء: يعلم الله كذا، حتى صار عند العرب من صيغ اليمين. وفي السماوات ولا في الأرض حال من الضمير المحذوف بعد يعلم العائد على (ما) ، إذ التقدير: بما لا يعلمه، أي كائنا في السماوات ولا في الأرض. والمقصود من ذكرهما تعميم الأمكنة، كما هو استعمال الجمع بين المتقابلات مثل المشرق والمغرب. وأعيد حرف النفي بعد العاطف لزيادة التنصيص على النفي. والاستفهام في أتنبئون للإنكار والتوبيخ. والإنباء: الإعلام. وجملة: سبحانه وتعالى إنشاء تنزيه، فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك فصلت. وتقدم الكلام على نظيره عند قوله: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون في سورة الأنعام [100] . و (ما) في قوله: عما يشركون مصدرية، أي عن إشراكهم، أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتا له. وقرأ حمزة والكسائي وخلف تشركون بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول. وقرأه الباقون بالتحية على أنها تعقيب للخطاب بجملة قل. وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع. [19] 19] وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٢٦) ↗