البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة يونس · الآية ١٠٠

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين وبعضهم كافرين. { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله [على] شيء من ذلك. { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } أي: بإرادته ومشيئته وإذنه القدري الشرعي، فمن كان من الخلق قابلا لذلك، يزكو عنده الإيمان، وفقه وهداه. { ويجعل الرجس } أي: الشر والضلال { على الذين لا يعقلون } عن الله أوامره ونواهيه، ولا يلقون بالا لنصائحه ومواعظه.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٩٩–١٠٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال أبو عمران، عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم (1) العذاب، جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا به، لعل الله يكشف (2) عنا العذاب، فقال: قولوا: يا حي حين لا حي، يا محيي الموتى (3) لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب. وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله. يقول تعالى: {ولو شاء ربك} -يا محمد -لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 118، 119] ، وقال تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} [الرعد: 31] ؛ ولهذا قال تعالى: {أفأنت تكره الناس} أي: تلزمهم وتلجئهم {حتى يكونوا مؤمنين} أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل [إلى] (4) الله {يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] ، {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] ، {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56] ، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: 21، 22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس} (5) وهو الخبال (6) والضلال، {على الذين لا يعقلون} أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من هدى، وإضلال من ضل.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٩٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، في قوله: " {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} [يونس: 100] قال: بقضاء الله " وأما قوله: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس: 100] فإنه يقول تعالى ذكره: إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإيمان بك يا محمد، ويأذن له في تصديقك فيصدقك ويتبعك، ويقر بما جئت به من عند ربك، ويجعل الرجس، وهو العذاب، وغضب الله على الذين لا يعقلون؛ يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه، ومواعظه، وآياته التي دل بها جل ثناؤه على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ويجعل الرجس} [يونس: 100] قال: السخط "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٠٠) ↗

التحرير والتنوير

(لو) تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها. فالمعنى: لكنه لم يشأ ذلك، فاقتضت حكمته أن خلق عقول الناس متأثرة ومنفعلة بمؤثرات التفاوت في إدراك الحقائق فلم يتواطؤا على الإيمان، وما كان لنفس أن تؤمن إلا إذا استكملت خلقة عقلها ما يهيئها للنظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير ومغالبة الهدى في الاعتراف بالحق. وجملة: أفأنت تكره الناس إلخ مفرعة على التي قبلها، لأنه لما تقرر أن الله لم تتعلق مشيئته باتفاق الناس على الإيمان بالله تفرع على ذلك إنكار ما هو كالمحاولة لتحصيل إيمانهم جميعا. والاستفهام في أفأنت تكره الناس إنكاري، فنزل النبيء صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان أهل مكة وحثيث سعيه لذلك بكل وسيلة صالحة منزلة من يحاول إكراههم على الإيمان حتى ترتب على ذلك التنزيل إنكاره عليه. ولأجل كون هذا الحرص الشديد هو محل التنزيل ومصب الإنكار وقع تقديم المسند إليه على المسند الفعلي، فقيل: أفأنت تكره الناس دون أن يقال: أفتكره الناس، أو أفأنت مكره الناس، لأن تقديم المسند إليه على مثل هذا المسند يفيد تقوي الحكم فيفيد تقوية صدور الإكراه من النبيء صلى الله عليه وسلم لتكون تلك التقوية محل الإنكار. وهذا تعريض بالثناء على النبيء ومعذرة له على عدم استجابتهم إياه، ومن بلغ المجهود حق له العذر. وليس تقديم المسند إليه هنا مفيدا للتخصيص، أي القصر، لأن المقام غير صالح لاعتبار القصر، إذ مجرد تنزيل النبيء صلى الله عليه وسلم منزلة من يستطيع إكراه الناس على الإيمان كاف في الإشارة إلى تشبيه حرصه على إيمانهم بحرص من يستطيع إكراههم عليه. فما وقع في «الكشاف» من الإشارة إلى معنى الاختصاص غير وجيه، لأن قرينة التقوي واضحة كما أشار إليه السكاكي. والإكراه: الإلجاء والقسر.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٩٣) ↗