البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفاتحة · الآية ٥

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ بسم الله } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ " اسم " مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]، { الله } هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال، { الرحمن الرحيم }: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم يعلم [به] كل شيء، قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء. { الحمد لله }: [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. { رب العالمين } الرب، هو المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه لهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر، ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رب العالمين } على انفراده بالخلق والتدبير والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار. { ملك يوم الدين } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

إلى الله عز وجل. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون} [هود: 123] {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] ، وكذلك هذه الآية الكريمة: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة (1) ، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك، وهو قادر عليه، كما جاء في الصحيحين، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (2) . وفي صحيح مسلم، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6، 7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (3) . وقال الضحاك، عن ابن عباس: {إياك نعبد} يعني: إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك {وإياك نستعين} على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة: {إياك نعبد وإياك نستعين} يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم. وإنما قدم: {إياك نعبد} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

… في الدين والدنيا والعاجل والآجل. ولذلك من المعنى، تتابعت قراءة القراء وعلماء الأمة على رفع الحمد من: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] دون نصبها، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندي محيلا PageEndV01P139 معناه ومستحقا العقوبة على قراءته إياه كذلك إذا تعمد قراءته كذلك وهو عالم بخطئه وفساد تأويله. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: الحمد لله؟ أحمد الله نفسه جل ثناؤه فأثنى عليها، ثم علمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وهو عز ذكره معبود لا عابد؟ أم ذلك من قيل جبريل أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما. قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه؛ ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهل، ثم علم ذلك عباده وفرض عليهم تلاوته، اختبارا منه لهم وابتلاء، فقال لهم: قولوا: الحمد لله رب العالمين وقولوا: إياك نعبد وإياك نستعين؛ فقوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] مما علمهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بمعناه. وذلك موصول بقوله {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وكأنه قال: قولوا هذا وهذا. فإن قال: وأين قوله: «قولوا» فيكون تأويل ذلك ما ادعيت؟ قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة ولم تشك أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت حذف ما كفى PageEndV01P140 منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولا أو تأويل قول، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] وأعلم أنني لأكون رمسا %~% إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم %~% فقال المخبرون لهم وزير قال أبو جعفر: يريد بذلك: فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما يدل على ذلك. وكذلك قول الآخر: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

… كما سيأتي ورب العالمين يشمل سائر صفات الأفعال والتكوين عند من أثبتها، والرحمن الرحيم يشمل أصول التشريع الراجعة للرحمة بالمكلفين ومالك يوم الدين يشمل أحوال القيامة، وإياك نعبد يجمع معنى الديانة والشريعة، وإياك نستعين يجمع معنى الإخلاص لله في الأعمال. قال عز الدين بن عبد السلام في كتابه «حل الرموز ومفاتيح الكنوز» : الطريقة إلى الله لها ظاهر (أي عمل ظاهر أي بدني) وباطن (أي عمل قلبي) فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة، والمراد من الشريعة والحقيقة إقامة العبودية على الوجه المراد من المكلف. ويجمع الشريعة والحقيقة كلمتان هما قوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة، اه. واهدنا الصراط المستقيم يشمل الأحوال الإنسانية وأحكامها من عبادات ومعاملات وآداب، وصراط الذين أنعمت عليهم يشير إلى أحوال الأمم والأفراد الماضية الفاضلة، وقوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين يشمل سائر قصص الأمم الضالة ويشير إلى تفاصيل ضلالالتهم المحكية عنهم في القرآن، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة- تصريحا وتضمنا- علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض. وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية. ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها. وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة ، ففي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد ابن المعلى (1) «أن رسول الله قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/١٣٤) ↗