سورة الفاتحة · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ " اسم " مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]، { الله } هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال، { الرحمن الرحيم }: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم يعلم [به] كل شيء، قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء. { الحمد لله }: [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. { رب العالمين } الرب، هو المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه لهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر، ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رب العالمين } على انفراده بالخلق والتدبير والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار. { ملك يوم الدين } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
على المسؤول، كقول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني %~% حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما %~% كفاه من تعرضه الثناء والهداية هاهنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا (1) {اهدنا الصراط المستقيم} فتضمن معنى ألهمنا، أو وفقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا؛ {وهديناه النجدين} [البلد: 10] أي: بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى، كقوله تعالى: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121] {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] وقد تعدى باللام، كقول أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا (2) . وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن "الصراط المستقيم" هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي: أمير المؤمنين على صراط %~% إذا اعوج الموارد مستقيم قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل، وصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد، وهو أبو (3) المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصراط المستقيم كتاب الله" (4) . وكذلك رواه ابن جرير، من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد [تقدم في فضائل القرآن فيما] (5) رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور، عن علي مرفوعا: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… إذ كانت لا تنفرد بالواحد. وأنها لو أفردت بأحد الاسمين في حال اقتضائها اثنين كان الكلام كالمستحيل؛ وذلك أن قائلا لو قال: الشمس قد فصلت بين النهار، لكان من الكلام خلفا لنقصان الكلام عما به الحاجة إليه من تمامه الذي يقتضيه بين. ولو قال قائل: اللهم إياك نعبد لكان ذلك كلاما تاما. فكان معلوما بذلك أن حاجة كل كلمة كانت نظيرة {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] إلى إياك كحاجة نعبد إليها، وأن الصواب أن تكرر معها إياك، إذ كانت كل كلمة منها جملة خبر مبتدأ، وبينا حكم مخالفة ذلك حكم بين فيما وفق بينهما الذي وصفنا قوله. قال أبو جعفر: ومعنى قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] في هذا الموضع عندنا: وفقنا للثبات عليه، كما روي ذلك عن ابن عباس حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " قل يا محمد {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، يقول: ألهمنا الطريق الهادي " وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظير معنى قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] في أنه مسألة العبد ربه التوفيق للثبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله وتقضى فيما سلف من عمره، كما في قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] مسألة منه ربه المعونة على أداء ما قد كلفه من طاعته فيما بقي من عمره. فكان معنى الكلام: اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك من السبيل والمنهاج. فإن قال قائل: وأنى وجدت الهداية في كلام العرب بمعنى التوفيق؟ قيل له: ذلك في كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد، فمن ذلك قول الشاعر: [البحر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
… أثبتها، والرحمن الرحيم يشمل أصول التشريع الراجعة للرحمة بالمكلفين ومالك يوم الدين يشمل أحوال القيامة، وإياك نعبد يجمع معنى الديانة والشريعة، وإياك نستعين يجمع معنى الإخلاص لله في الأعمال. قال عز الدين بن عبد السلام في كتابه «حل الرموز ومفاتيح الكنوز» : الطريقة إلى الله لها ظاهر (أي عمل ظاهر أي بدني) وباطن (أي عمل قلبي) فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة، والمراد من الشريعة والحقيقة إقامة العبودية على الوجه المراد من المكلف. ويجمع الشريعة والحقيقة كلمتان هما قوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة، اه. واهدنا الصراط المستقيم يشمل الأحوال الإنسانية وأحكامها من عبادات ومعاملات وآداب، وصراط الذين أنعمت عليهم يشير إلى أحوال الأمم والأفراد الماضية الفاضلة، وقوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين يشمل سائر قصص الأمم الضالة ويشير إلى تفاصيل ضلالالتهم المحكية عنهم في القرآن، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة- تصريحا وتضمنا- علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض. وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية. ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها. وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة ، ففي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد ابن المعلى (1) «أن رسول الله قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/١٣٤) ↗