سورة الفاتحة · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ " اسم " مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]، { الله } هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال، { الرحمن الرحيم }: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم يعلم [به] كل شيء، قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء. { الحمد لله }: [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. { رب العالمين } الرب، هو المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه لهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر، ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رب العالمين } على انفراده بالخلق والتدبير والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار. { ملك يوم الدين } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] . وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] وقال تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه: 108] ، وقال: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105] . وقال الضحاك عن ابن عباس: {مالك يوم الدين} يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما، كملكهم في الدنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر. وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير {مالك يوم الدين} أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه. والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم (1) ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا، كما قال: {الملك يومئذ الحق للرحمن} [الفرقان: 26] والقول الثاني يشبه قوله: {ويوم يقول كن فيكون} ، [الأنعام: 73] والله أعلم. والملك في الحقيقة هو الله عز وجل؛ قال الله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام} وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " وفي القرآن العظيم: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى: {إن الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قال أبو جعفر: القراء مختلفون في تلاوة (ملك يوم الدين) ، فبعضهم يتلوه: (ملك يوم الدين) وبعضهم يتلوه: {مالك يوم الدين} وبعضهم يتلوه: (مالك يوم الدين) بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/١٤٩) ↗التحرير والتنوير
… والصفات والنبوءات والمواعظ والأمثال والحكم والقصص، والأحكام إما عمل الجوارح وهو العبادات والمعاملات، وإما عمل القلوب أي العقول وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة، وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام ف الحمد لله يشمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصر الحمد له تعالى بناء على ما تدل عليه جملة الحمد لله من اختصاص جنس الحمد به تعالى واستحقاقه لذلك الاختصاص كما سيأتي ورب العالمين يشمل سائر صفات الأفعال والتكوين عند من أثبتها، والرحمن الرحيم يشمل أصول التشريع الراجعة للرحمة بالمكلفين ومالك يوم الدين يشمل أحوال القيامة، وإياك نعبد يجمع معنى الديانة والشريعة، وإياك نستعين يجمع معنى الإخلاص لله في الأعمال. قال عز الدين بن عبد السلام في كتابه «حل الرموز ومفاتيح الكنوز» : الطريقة إلى الله لها ظاهر (أي عمل ظاهر أي بدني) وباطن (أي عمل قلبي) فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة، والمراد من الشريعة والحقيقة إقامة العبودية على الوجه المراد من المكلف. ويجمع الشريعة والحقيقة كلمتان هما قوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة، اه. واهدنا الصراط المستقيم يشمل الأحوال الإنسانية وأحكامها من عبادات ومعاملات وآداب، وصراط الذين أنعمت عليهم يشير إلى أحوال الأمم والأفراد الماضية الفاضلة، وقوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين يشمل سائر قصص الأمم الضالة ويشير إلى تفاصيل ضلالالتهم المحكية عنهم في القرآن، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة- تصريحا وتضمنا- علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض. وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية. ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها. وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة ، ففي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد ابن المعلى (1) «أن رسول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗