ننكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق قالوا وقد رأينا العطشان إذا حصل له الري بالماء البارد تراجعت إليه قواه ونشاطه وحركته وحركته وصبر عن الطعام وانتفع بالقدر اليسير منه ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام ولا يجد به القوة والاغتذاء ونحن لا ننكر ان الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء وأنه لا يتم امر الغذاء إلا به وإنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه البته ويكاد قوله عندنا في إنكار الأمور الوجدانية وانكرت طائفة أخرى حصول التغذية به واحتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به وأنه لا يقوم مقام الطعام وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقته وتغذية كل شيء بحسبه وقد شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه والرائحة الطيبة تغذي نوعا من الغذاء فتغذية الماء أظهر وأظهر والمقصود أنه إذا كان باردا وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب أو التمر أو السكر كان من أنفع ما يدخل البدن وحفظ عليه صحته فلهذا كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارد الحلو والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد هذه الأشياء ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان هل من ماء بات في شنة فأتاه به فشرب منه رواه البخاري ولفظه إن كان عندك
السيرة وأخبار الصحابة
زاد المعاد في هدي خير العباد
ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط · مؤسسة الرسالة · ١٤٠٧هـ · نص مشروع OpenITI
زاد المعاد في هدي خير العباد · الجزء ٤ · ص ٢٢٦
الإحالة: (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٤/٢٢٦)