البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما بيان ما يقع به التطهير

أيضا كالخمر إذا تخلل في دن أنه يحكم بطهارة الدن ومنها تطهير الحوض الصغير إذا تنجس واختلف المشايخ فيه فقال أبو بكر الأعمش لا يطهر حتى يدخل الماء فيه ويخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرات فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثا وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني إذا دخل فيه الماء الطاهر وخرج بعضه يحكم بطهارته بعد أن لا تستبين فيه النجاسة لأنه صار ماء جاريا ولم يستيقن ببقاء النجس فيه وبه أخذ الفقيه أبو الليث وقيل إذا خرج منه مقدار الماء النجس يطهر كالبئر إذا تنجست أنه يحكم بطهارتها بنزح ما فيها من الماء وعلى هذا حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس فلا خلاف في أن النجس يطهر بالغسل في الماء الجاري وكذا يطهر بالغسل بصب الماء عليه واختلف في أنه هل يطهر بالغسل في الأواني بأن غسل الثوب النجس أو البدن النجس في ثلاث إجانات قال أبو حنيفة ومحمد يطهر حتى يخرج من الإجانة الثالثة طاهرا وقال أبو يوسف لا يطهر البدن وإن غسل في إجانات كثيرة ما لم يصب عليه الماء وفي الثوب عنه روايتان وجه قول أبي يوسف أن القياس يأبى حصول الطهارة بالغسل بالماء أصلا لأن الماء متى لاقى النجاسة تنجس سواء ورد الماء على النجاسة أو وردت النجاسة على الماء والتطهير بالنجس لا يتحقق إلا أنا حكمنا بالطهارة لحاجة الناس إلى تطهير الثياب والأعضاء النجسة والحاجة تندفع بالحكم بالطهارة عند ورود الماء على النجاسة فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس فعلى هذا لا يفرق بين البدن والثوب ووجه الفرق له على الرواية الأخرى إن في الثوب ضرورة إذ كل من تنجس ثوبه لا يجد من يصب الماء عليه ولا يمكنه الصب عليه بنفسه وغسله فترك القياس فيه لهذه الضرورة دفعا للحرج ولهذا جرى العرف بغسل الثياب في الأواني ولا ضرورة في العضو لأنه يمكنه غسله بصب الماء عليه فبقي على ما يقتضيه القياس وجه قولهما أن القياس متروك في الفصلين لتحقق الضرورة في المحلين إذ ليس كل من أصابت النجاسة بعض بدنه يجد ماء جاريا أو من يصب عليه الماء وقد لا يتمكن من الصب بنفسه وقد تصيب النجاسة موضعا يتعذر الصب عليه فإن من دمي فمه أو أنفه لو صب عليه الماء لوصل الماء النجس إلى جوفه أو يعلو إلى دماغه وفيه حرج بين فتركنا القياس لعموم الضرورة مع أن ما ذكره من القياس غير صحيح لما ذكرنا فيما تقدم أن الماء لا ينجس أصلا ما دام على المحل النجس على ما مر بيانه وعلى هذا الخلاف إذا كان على يده نجاسة فأدخلها في حب ( ( ( جب ) ) ) من الماء ثم في الثاني والثالث هكذا ولو كان في الخوابي خل نجس والمسألة بحالها عند أبي حنيفة يخرج من الثالثة طاهرا خلافا لهما بناء على أصل آخر وهو أن المائعات الطاهرة تزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن عند أبي حنيفة والصب ليس بشرط وعند محمد لا تزيل أصلا وعند أبي يوسف تزيل لكن بشرط الصب ولم يوجد فاتفق جوابهما بناء على أصلين مختلفين فمنها العدد في نجاسة غير مرئية عندنا والجملة في ذلك أن النجاسة نوعان حقيقية وحكمية ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية وهي الحدث والجنابة ( ( ( والجناية ) ) ) تزول بالغسل مرة واحدة ولا يشترط فيها العدد وأما النجاسة الحقيقية فإن كانت غير مرئية كالبول ونحوه ذكر في ظاهر الرواية أنه لا تطهر إلا بالغسل ثلاثا وعند الشافعي تطهر بالغسل مرة واحدة اعتبارا بالحدث إلا في ولوغ الكلب في الإناء فإنه لا يطهر إلا بالغسل سبعا إحداهن بالتراب بالحديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا فقد أمر بالغسل ثلاثا وإن كان ذلك غير مرئي وما رواه الشافعي فذلك عندما كان في ابتداء الإسلام لقلع عادة الناس في الإلف بالكلاب كما أمر بكسر الدنان ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر دل عليه ما روي في بعض الروايات فليغسله سبعا أولاهن بالتراب أو أخراهن بالتراب وفي بعضها وعفروا الثامنة بالتراب وذلك غير واجب بالإجماع وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده أمر بالغسل ثلاثا عند

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٨٧

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٨٧)