البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما شرائط التطهير بالماء

توهم النجاسة فعند تحققها أولى ولأن الظاهر أن النجاسة لا تزول بالمرة الواحدة ألا ترى أن النجاسة المرئية قط ( ( ( فقط ) ) ) لا تزول بالمرة الواحدة فكذا غير المرئية ولا فرق سوى أن ذلك يرى بالحس وهذا يعلم بالعقل والاعتبار بالحدث غير سديد لأن ثمة لا نجاسة رأسا وإنما عرفنا وجوب الغسل نصا غير معقول المعنى والنص ورد بالاكتفاء بمرة واحدة فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ثم التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم بل هو مفوض إلى غالب رأيه وأكبرظنه وإنما ورد النص بالتقدير بالثلاث بناء على غالب العادات فإن الغالب أنها تزول بالثلاث ولأن الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر كما في قصة العبد الصالح مع موسى حيث قال له موسى في المرة الثالثة قد بلغت من لدني عذرا وإن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه فطهارتها زوال عينها ولا عبرة فيه بالعدد لأن النجاسة في العين فإن زالت العين زالت النجاسة وإن بقيت بقيت ولو زالت العين وبقي الأثر فإن كان مما يزول أثره لا يحكم بطهارته ما لم يزل الأثر لأن الأثر لون عينه لا لون الثوب فبقاؤه يدل على بقاء عينه وإن كانت النجاسة مما لا يزول أثره لا يضر بقاء أثره عندنا وعند الشافعي لا يحكم بطهارته ما دام الأثر باقيا وينبغي أن يقطع بالمقراض لأن بقاء الأثر دليل بقاء العين ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمستحاضة حتيه ثم اقرصيه ( ( ( اقرضيه ) ) ) ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره وهذا نص ولأن الله تعالى لما لم يكلفنا غسل النجاسة إلا بالماء مع علمه أنه ليس في طبع الماء قلع الآثار دل على أن بقاء الأثر فيما لا يزول أثره ليس بمانع زوال النجاسة وقوله بقاء الأثر دليل بقاء العين مسلم لكن الشرع أسقط اعتبار ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام لا يضرك بقاء أثره ولما ذكرنا أنه لم يأمرنا إلا بالغسل بالماء ولم يكلفنا تعلم الحيل في قلع الآثار ولأن ذلك في حد القلة والقليل من النجاسة عفو عندنا ولأن إصابة النجاسة التي لها أثر باق كالدم الأسود العبيط مما يكثر في الثياب خصوصا في حق النسوان فلو أمرنا بقطع الثياب لوقع الناس في الحرج وإنه مدفوع وكذا يؤدي إلى إتلاف الأموال والشرع نهانا عن ذلك فكيف يأمرنا به ومنها العصر فيما يحتمل العصر وما يقوم مقامه فيما لا يحتمله والجملة فيه إن المحل الذي تنجس إما إن كان شيئا لا يتشرب فيه أجزاء النجس أصلا أو كان شيئا يتشرب فيه شيء يسير أو كان شيئا يتشرب فيه شيء كثير فإن كان مما لا يتشرب فيه شيء أصلا كالأواني المتخذة من الحجر والصفر والنحاس والخزف العتيق ونحو ذلك فطهارته بزوال عين النجاسة أو العدد على ما مر وإن كان مما يتشرب فيه شيء قليل كالبدن والخف والنعل فكذلك لأن الماء يستخرج ذلك القليل فيحكم بطهارته وإن كان مما يتشرب فيه كثير فإن كان مما يمكن عصره كالثياب فإن كانت النجاسة مرئية فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول العين وإن كانت غير مرئية فطهارته بالغسل ثلاثا والعصر في كل مرة لأن الماء لا يستخرج الكثير إلا بواسطة العصر ولا يتم الغسل بدونه وروي عن محمد أنه يكتفي بالعصر في المرة الأخيرة ويستوي الجواب عندنا بين بول الصبي والصبية وقال الشافعي بول الصبي يطهر بالنضح من غير عصر واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينضح بول الصبي ويغسل بول الجارية ولنا ما روينا من حديث عمار من غير فصل بين بول وبول وما رواه غريب فلا يقبل خصوصا إذا خالف المشهور وإن كان مما لا يمكن عصره كالحصير المتخذ من البوري ونحوه أي ما لا ينعصر بالعصر إن علم أنه لم يتشرب فيه بل أصاب ظاهره يطهر بإزالة العين أو بالغسل ثلاث مرات من غير عصر فأما إذا علم أنه تشرب فيه فقد قال أبو يوسف ينقع في الماء ثلاث مرات ويجفف في كل مرة فيحكم بطهارته وقال محمد لا يطهر أبدا وعلى هذا الخلاف الخزف الجديد إذا تشرب فيه النجس والجلد إذا دبغ بالدهن النجس والحنطة إذا تشرب فيها النجس وانتفخت أنها لا تطهر أبدا عند محمد وعند أبي يوسف تنقع في الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة وكذا السكين إذا موه بماء نجس واللحم إذا طبخ بماء نجس فعند أبي يوسف يموه السكين ويطبح ( ( ( ويطبخ ) ) ) اللحم بالطاهر ثلاث مرات ويجفف في كل مرة وعند محمد لا يطهر أبدا وجه قول محمد أن النجاسة إذا دخلت في الباطن يتعذر استخراجها إلا بالعصر والعصر متعذر وأبو يوسف يقول إن تعذر العصر فإن ( ( ( فالتجفيف ) ) ) التجفيف ممكن فيقام التجفيف مقام العصر

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٨٨

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٨٨)