البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما بيان ما يقع به التطهير

والخنزير جواب ظاهر قول أصحابنا وروى عن أبي يوسف أن الجلود كلها تطهر بالدباغ لعموم الحديث والصحيح أن جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ لأن نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل هو نجس العين فكان وجود الدباغ في حقه والعدم بمنزلة واحدة وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ لأن له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي وأما جلد الإنسان فإن كان يحتمل الدباغ وتندفع رطوبته بالدبغ ينبغي أن يطهر لأنه ليس بنجس العين لكن لا يجوز الانتفاع به احتراما له وأما جلد الفيل فذكر في العيون عن محمد أنه لا يطهر بالدباغ وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يطهر لأنه ليس بنجس العين ثم الدباغ على ضربين حقيقي وحكمي فالحقيقي هو أن يدبغ بشيء له قيمة كالقرظ والعفص والسبخة ونحوها والحكمي أن يدبغ بالتشميس والتتريب والإلقاء في الريح والنوعان مستويان في سائر الأحكام إلا في حكم واحد وهو أنه لو أصابه الماء بعد الدباغ الحقيقي لا يعود نجسا وبعد الدباغ الحكمي فيه روايتان وقال الشافعي لا يطهر الجلد إلا بالدباغ الحقيقي وأنه غير سديد لأن الحكمي في إزالة الرطوبات والعصمة عن النتن والفساد بمضي الزمان مثل الحقيقي فلا معنى للفصل بينهما والله أعلم ومنها الذكاة في تطهير الذبيح وجملة الكلام فيها أن الحيوان إن كان مأكول اللحم فذبح طهر بجميع أجزائه إلا الدم المسفوح وإن لم يكن مأكول اللحم فما هو طاهر من الميتة من الأجزاء التي لا دم فيها كالشعر وأمثاله يطهر منه بالذكاة عندنا وأما الأجزاء التي فيها الدم كاللحم والشحم والجلد فهل تطهر بالذكاة اتفق أصحابنا على أن جلده يطهر بالذكاة وقال الشافعي لا يطهر وجه قوله أن الذكاة لم تفد حلا فلا تفيد طهرا وهذا لأن أثر الذكاة يظهر فيما وضع له أصلا وهو حل تناول اللحم وفي غيره تبعا فإذا لم يظهر أثرها في الأصل كيف يظهر في التبع فصار كما لو ذبحه مجوسي ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال دباغ الأديم ذكاته ألحق الذكاة بالدباغ ثم الجلد يطهر بالدباغ كذا بالذكاة لأن الذكاة تشارك الدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة فتشاركه في إفادة الطهارة وما ذكر من معنى التبعية فغير سديد لأن طهارة الجلد حكم مقصود في الجلد كما أن تناول اللحم حكم مقصود في اللحم وفعل المجوسي ليس بذكاة لعدم أهلية الذكاة فلا يفيد الطهارة فتعين تطهيره بالدباغ واختلفوا في طهارة اللحم والشحم ذكر الكرخي فقال كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فهذا يدل على أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه لأن الحيوان اسم لجملة الأجزاء وقال بعض مشايخنا ومشايخ بلخ إن كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فأما اللحم والشحم ونحوهما فلا يطهر والأول أقرب إلى الصواب لما مر أن النجاسة لمكان الدم المسفوح وقد زال بالذكاة ومنها نزح ما وجب من الدلاء أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في البئر من الآدمي أو غيره من الحيوان في تطهير البئر عرفنا ذلك بالخبر وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا فيما تقدم ثم إذا وجب نزح جميع الماء من البئر فينبغي أن تسد جميع منابع الماء إن أمكن ثم ينزح ما فيها من الماء النجس وإن لم يمكن سد متابعة ( ( ( منابعه ) ) ) لغلبة الماء روي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه ينزح مائة دلو وروي مائتا دلو وعن محمد أنه ينزح مائتا دلو أو ثلثمائة دلو وعن أبي يوسف روايتان في رواية يحفر بجنبها حفيرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه ثم ينزح ماؤها ويصب في الحفيرة حتى تمتلىء ( ( ( تمتلئ ) ) ) فإذا امتلأت حكم بطهارة البئر وفي رواية يرسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا ثم ينظر كم انتقص فينزح بقدر ذلك والأوفق في الباب ما روي عن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه يؤتى برجلين لهما بصارة في أمر الماء فينزح بقولهما لأن ما يعرف بالاجتهاد يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك الباب ثم اختلف في الدلو الذي ينزح به الماء النجس قال بعضهم المعتبر في كل بئر دلوها صغيرا كان أو كبيرا وروي عن أبي حنيفة أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع وقيل المعتبر هو المتوسط بين الصغير والكبير وأما حكم طهارة الدلو والرشا ( ( ( والرشاء ) ) ) فقد روي عن أبي يوسف أنه سئل عن الدلو الذي ينزح به الماء النجس من البئر أيغسل أم لا قال لا بل يطهره ما طهر البئر وكذا روي عن الحسن بن زياد أنه قال إذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشاء كما يطهر طين البئر وحمأته لأن نجاستهما بنجاسة البئر وطهارتهما يكون بطهارة البئر

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٨٦

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٨٦)