البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الطهارة الحقيقية

العرنيين وعند أبي حنيفة لا يباح لأن الاستشفاء بالحرام الذي لا يتيقن حصول الشفاء به حرام وكذا بما لا يعقل فيه الشفاء ولا شفاء فيه عند الأطباء والحديث محمول على أنه عرف شفاء أولئك فيه على الخصوص والله تعالى أعلم وأما الأرواث فكلها نجسة عند عامة العلماء وقال زفر روث ما يؤكل لحمه طاهر وهو قول مالك واحتج بما روي أن الشبان من الصحابة في منازلهم وفي السفر كانوا يترامون بالجلة وهي البعرة اليابسة ولو كانت نجسة لما مسوها وعلل مالك بأنه وقود أهل المدينة يستعملونه استعمال الحطب ولنا ما روينا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي طلب منه أحجار الاستنجاء فأتى بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى الروثة وقال إنها ركس أي نجس ولأن معنى النجاسة موجود فيها وهو الاستقذار في الطباع السليمة لاستحالتها إلى نتن وخبث رائحة مع إمكان التحرز عنه فكانت نجسة ومنها خرء بعض الطيور من الدجاج والبط وجملة الكلام فيه أن الطيور نوعان نوع لا يذرق في الهواء ونوع يذرق في الهواء أما ما لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فخرؤهما نجس لوجود معنى النجاسة فيه وهو كونه مستقذرا لتغيره إلى نتن وفساد رائحة فأشبه العذرة وفي الأوز عن أبي حنيفة روايتان روى أبو يوسف عنه أنه ليس بنجس وروى الحسن عنه أنه نجس وما يذرق في الهواء نوعان أيضا ما يؤكل لحمه كالحمام والعصفور والعقعق ونحوها وخرؤها طاهر عندنا وعند الشافعي نجس وجه قوله أن الطبع قد أحاله إلى فساد فوجد معنى النجاسة فأشبه الروث والعذرة ولنا إجماع الأمة فإنهم اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة مع علمهم أنها تذرق فيها ولو كان نجسا لما فعلوا ذلك مع الأمر بتطهير المسجد وهو قوله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن حمامة ذرقت عليه فمسحه وصلى وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثل ذلك في العصفور وبه تبين أن مجرد إحالة الطبع لا يكفي للنجاسة ما لم يكن للمستحيل نتن وخبث رائحة تستخبثه الطباع السليمة وذلك منعدم ههنا على أنا إن سلمنا ذلك لكان التحرز عنه غير ممكن لأنها تذرق في الهواء فلا يمكن صيانة الثياب والأواني عنه فسقط اعتباره للضرورة كدم البق والبراغيث وحكى مالك في هذه المسألة الإجماع على الطهارة ومثله لا يكذب فلئن لم يثبت الإجماع من حيث القول يثبت من حيث الفعل وهو ما بينا وما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة وأشباه ذلك خرؤها طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد نجس نجاسة غليظة وجه قوله أنه وجد معنى النجاسة فيه لإحالة الطبع إياه إلى خبث ونتن رائحة فأشبه غير المأكول من البهائم ولا ضرورة إلى إسقاط اعتبار نجاسته لعدم المخالطة لأنها تسكن المروج والمفاوز بخلاف الحمام ونحوه ولهما أن الضرورة متحققة لأنها تذرق في الهواء فيتعذر صيانة الثياب والأواني عنها وكذا المخالطة ثابتة بخلاف الدجاج والبط لأنهما لا يذرقان في الهواء فكانت الصيانة ممكنة وخرء الفأرة نجس لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة واختلفوا في الثوب الذي أصابه بولها حكي عن بعض مشايخ بلخ أنه قال لو ابتليت به لغسلته فقيل له من لم يغسله وصلى فيه فقال لا آمره بالإعادة وبول الخفافيش وخرؤها ليس بنجس لتعذر صيانة الثياب والأواني عنه لأنها تبول في الهواء وهي فأرة طيارة فلهذا تبول ومنها الميتة التي لها دم سائل وجملة الكلام في الميتات أنها نوعان أحدهما ما ليس له دم سائل والثاني ما له دم سائل أما الذي ليس له دم سائل فالذباب والعقرب والزنبور والسرطان ونحوها وأنه ليس بنجس عندنا وعند الشافعي نجس إلا الذباب والزنبور فله فيهما قولان واحتج بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولنا ما روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال موت كل حيوان ليس له نفس سائلة في الماء لا يفسد ( ( ( يفسده ) ) ) وهذا نص في الباب وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنه قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وهو يقدم الداء على الدواء ولا شك أن

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٦٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٦٢)