البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الطهارة الحقيقية

بمجاورته وإن لم يكن نجسا بنفسه وكونه أصل الأدمي لا ينفي أن يكون نجسا كالعلقة والمضغة وما روي من الحديث يحتمل أنه كان قليلا ولا عموم له لأنه حكاية حال أو نحمله على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وتشبيه ابن عباس رضي الله عنهما إياه بالمخاط يحتمل أنه كان في الصورة لا في الحكم لتصوره بصورة المخاط والأمر بالإماطة بالإذخر لا ينفي الأمر بالإزالة بالماء فيحتمل أنه أمر بتقديم الإماطة كيلا تنتشر النجاسة في الثوب فيتعسر غسله وأما الدم الذي يكون على رأس الجرح والقيء إذا كان أقل من ملء الفم فقد روي عن أبي يوسف أنه ليس بنجس وهو قياس ما ذكره الكرخي لأنه لا يجب بخروجه الوضوء وعند محمد نجس هو يقول أنه جزء من الدم المسفوح والدم المسفوح نجس بجميع أجزائه وأبو يوسف يقول إنه ليس بمسفوح بنفسه والنجس هو الدم المسفوح لقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس والرجس هو النجس فظاهر الآية يقتضي أن لا محرم سواها فيقتضي أن لا نجس سواها إذ لو كان لكان محرما إذ النجس محرم وهذا خلاف ظاهر الآية ووجه آخر من الاستدلال بظاهر الآية أنه نفى حرمة غير المذكور وأثبت حرمة المذكور وعلل لتحريمه بأنه رجس أي نجس ولو كان غير المذكور نجسا لكان محرما لوجود علة التحريم وهذا خلاف النص لأنه يقتضي أن لا محرم سوى المذكور فيه ودم البق والبراغيث ليس بنجس عندنا حتى لو وقع في الماء القليل لا ينجسه ولو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة وقال الشافعي هو نجس لكنه معفو عنه في الثوب للضرورة واحتج بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم من غير فصل بين السائل وغيره والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولنا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية والاستدلال بها من الوجهين اللذين ذكرناهما ولأن صيانة الثياب والأواني عنها متعذرة فلو أعطى لها حكم النجاسة لوقع الناس في الحرج وأنه منفي شرعا بالنص وبهذين الدليلين تبين أن المراد من المطلق المقيد وهو الدم المسفوح ودم الأوزاغ نجس لأنه سائل وكذا الدماء السائلة من سائر الحيوانات لما قلنا بل أولى لأنه لما كان نجسا من الآدمي المكرم فمن غيره أولى وأما دم السمك فقد روي عن أبي يوسف أنه نجس وبه أخذ الشافعي اعتبارا بسائر الدماء وعند أبي حنيفة ومحمد طاهر لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه ولو كان نجسا لما أبيح ولأنه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم لأن الدموي لا يعيش في الماء والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر لأنه ليس بمسفوح ولهذا حل تناوله مع اللحم وروي عن أبي يوسف أنه معفو في الأكل غير معفو في الثياب لتعذر الاحتراز عنه في الأكل وإمكانه في الثوب ومنها ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث على الاتفاق والاختلاف أما الأبوال فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه نجس واختلف في بول ما يؤكل لحمه قال أبو حنيفة وأبو يوسف نجس وقال محمد طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه واحتج بما روي عن النبي أنه أباح للعرنيين شرب أبوال إبل الصدقة وألبانها مع قوله إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وقوله ليس في الرجس شفاء فثبت أنه طاهر ولهما حديث عمار إنما يغسل الثوب من خمس وذكر من جملتها البول مطلقا من غير فصل وما روي عن النبي أنه قال استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه من غير فصل وقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ومعلوم أن الطباع السليمة تستخبثه وتحريم الشيء لا لاحترامه وكرامته تنجيس له شرعا ولأن معنى النجاسة فيه موجود وهو الاستقذار الطبيعي لاستحالته إلى فساد وهي الرائحة المنتنة فصار كروثة وكبول ما لا يؤكل لحمه وأما الحديث فقد ذكر قتادة أن النبي أمر بشرب ألبانها دون أبوالها فلا يصح التعلق به على أنه يحتمل أن النبي عرف بطريق الوحي شفاءهم فيه والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن لحصول الشفاء فيه كتناول الميتة عند المخمصة والخمر عند العطش وإساغة اللقمة وإنما لا يباح بما لا يستيقن حصول الشفاء به ثم عند أبي يوسف يباح شربه للتداوي لحديث

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٦١

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٦١)