البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الطهارة الحقيقية

الذباب مع ضعف بنيته إذا مقل في الطعام الحار يموت فلو أوجب التنجيس لكان الأمر بالمقل أمرا بإفساد المال وإضاعته مع نهي النبي عن إضاعة المال وأنه متناقض وحاشا أن يتناقض كلامه ولأنا لو حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج لأنه يتعذر صون الأواني عنها فأشبه موت الدودة المتولدة عن الخل فيه وبه تبين أن النص لم يتناول محل الضرورة والحرج مع ما أن السمك والجراد مخصوصان عن النص إذ هما ميتتان بنص النبي والمخصص انعدام الدم المسفوح والدم المسفوح ههنا منعدم وأما الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم والشحم والجلد ونحوها أنها نجسة لاحتباس الدم النجس فيها وهو الدم المسفوح وأما الأجزاء التي لا دم فيها فإن كانت صلبة كالقرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والشعر والصوف والعصب والأنفحة الصلبة فليست بنجسة عند أصحابنا وقال الشافعي الميتات كلها نجسة لظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولأصحابنا طريقان أحدهما أن هذه الأشياء ليست بميتة لأن الميتة من الحيوان في عرف الشرع اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع ولا حياة في هذه الأشياء فلا تكون ميتة والثاني أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة ولم توجد في هذه الأشياء وعلى هذا ما أبين من الحي من هذه الأجزاء وإن كان المبان جزأ فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر ونحوها فهو على الاختلاف وأما الأنفحة المائعة واللبن فطاهران عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد نجسان لهما أن اللبن وإن كان طاهرا في نفسه لكنه صار نجسا لمجاورة النجس ولأبي حنيفة قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وصف اللبن مطلقا بالخلوص والسيوغ مع خروجه من بين فرث ودم وذا آية الطهارة وكذا الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة وبه تبين أنه لم يخالطه النجس إذ لا خلوص مع النجاسة ثم ما ذكرنا من الحكم في أجزاء الميتة التي لا دم فيها من غير الآدمي والخنزير فأما حكمها فيهما فأما الأدمي فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية نجسة لا يجوز بيعها والصلاة معها إذا كان أكثر من قدر الدرهم وزنا أو عرضا على حسب ما يليق به ولو وقع في الماء القليل يفسده وفي رواية طاهر وهي الصحيحة لأنه لا دم فيها والنجس هو الدم ولأنه يستحيل أن تكون طاهرة من الكلب نجسة من الآدمي المكرم إلا أنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بها احتراما للآدمي كما إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة أو عظمه لا يباح تناول الخبز المتخذ من دقيقها لا لكونه نجسا بل تعظيما له كيلا يصير متناولا من أجزاء الآدمي كذا هذا وأما الخنزير فقد روي عن أبي حنيفة أنه نجس العين لأن الله تعالى وصفه بكونه رجسا فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه إلا أنه رخص في شعره للخرازين للضرورة وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه كره ذلك أيضا نصا ولا يجوز بيعها في الروايات كلها ولو وقع شعره في الماء القليل روي عن أبي يوسف أنه ينجس الماء وعن محمد أنه لا ينجس ما لم يغلب على الماء كشعر غيره وروي عن أصحابنا في غير رواية الأصول أن هذه الأجزاء منه طاهرة لانعدام الدم فيها والصحيح أنها نجسة لأن نجاسة الخنزير ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل لعينه وأما الكلب فالكلام فيه بناء على أنه نجس العين أم لا وقد اختلف مشايخنا فيه فمن قال أنه نجس العين فقد ألحقه بالخنازير فكان حكمه حكم الخنزير ومن قال إنه ليس بنجس العين فقد جعله مثل سائر الحيوانات سوى الخنزير وهذا هو الصحيح لما نذكر ومنها سؤر الكلب والخنزير عند عامة العلماء وجملة الكلام في الآسار أنها أربعة أنواع نوع طاهر متفق على طهارته من غير كراهة ونوع مختلف في طهارته ونجاسته ونوع مكروه ونوع مشكوك فيه أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته فسؤر الآدمي بكل حال مسلما كان أو مشركا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى طاهرا أو نجسا حائضا أو جنبا إلا في حال شرب الخمر لما روي عن رسول الله أنه أتي بعس من لبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيا كان على

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٦٣

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٦٣)