البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

مبحث آداب الوضوء

الجنابة ولنا ما روين ( ( ( روي ) ) ) إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن وما ذكر من الاعتبار فاسد لأن أحد الحدثين حل الفم ولم يحل الآخر فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر ويستوي في الكراهة الآية التامة وما دون الآية عند عامة المشايخ وقال الطحاوي لا بأس بقراءة ما دون الآية والصحيح قول العامة لما روينا من الحديثين من غير فصل بين القليل والكثير ولأن المنع من القراءة لتعظيم القرآن ومحافظة حرمته وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير فيلزم ( ( ( فيكره ) ) ) ذلك كله لكن إذا قصد التلاوة فأما إذا لم يقصد بأن قال باسم الله لافتتاح الأعمال تبركا أو قال الحمد لله للشكر لا بأس به لأنه من باب ذكر اسم الله تعالى والجنب غير ممنوع عن ذلك وتكره قراءة القرآن في المغتسل والمخرج لأن ذلك موضع الأنجاس فيجب تنزيه القرآن عن ذلك وأما في الحمام فتكره عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد طاهر فلا تكره ولا يباح للجنب دخول المسجد وإن احتاج إلى ذلك يتيمم ويدخل سواء كان الدخول لقصد المكث أو للاجتياز عندنا وقال الشافعي يباح له الدخول بدون التيمم إذا كان مجتازا واحتج بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا قيل المراد من الصلاة مكانها وهو المسجد كذا ورد ( ( ( روي ) ) ) عن ابن مسعود وعابر سبيل هو المار يقال عبر أي مر نهى الجنب عن دخول المسجد بدون الاغتسال واستثنى عابري السبيل وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيباح له الدخول بدون الاغتسال ولنا ما روي عن النبي ( ( ( رسول ) ) ) صلى الله عليه وسلم أنه قال سدوا الأبواب فإني لا أحلها لجنب ولا لحائض والهاء كناية عن المساجد نفي الحل من غير فصل بين المجتاز وغيره وأما الآية فقد روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن المراد هو حقيقة الصلاة وإن عابر السبيل هو المسافر الجنب الذي لا يجد الماء فيتيمم فكان هذا إباحة الصلاة بالتيمم للجنب المسافر إذا لم يجد الماء وبه نقول وهذا التأويل أولى لأن فيه بقاء اسم الصلاة على حالها فكان أولى أو يقع التعارض بين التأويلين فلا تبقى الآية حجة له ولا يطوف بالبيت وإن طاف جاز مع النقصان لما ذكرنا في المحدث إلا أن النقصان مع الجنابة أفحش لأنها أغلظ ويصح من الجنب أداء الصوم دون الصلاة لأن الطهارة شرط جواز الصلاة دون الصوم ويجب عليه كلاهما حتى يجب عليه قضاؤهما بالترك لأن الجنابة لا تمنع من وجوب الصوم بلا شك ويصح أداؤه مع الجنابة ولا يمنع من وجوب الصلاة وإن كان لا يصح أداؤها مع قيام الجنابة لأن في وسعه رفعها بالغسل ( قبل أن يتوضأ ) ولا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ويتوضأ وضوءه للصلاة وله أن ينام قبل أن يتوضأ وضوءه للصلاة لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء ولأن الوضوء ليس بقربة بنفسه وإنما هو لأداء الصلاة وليس في النوم ذلك وإن أراد أن يأكل أو يشرب فينبغي أن يتمضمض ويغسل يديه ثم يأكل ويشرب لأن الجنابة حلت الفم فلو شرب قبل أن يتمضمض صار الماء مستعملا فيصير شاربا الماء ( ( ( بالماء ) ) ) المستعمل ويده لا تخلو عن نجاسة فينبغي أن يغسلها ثم يأكل وهل يجب على الزوج ثمن ماء الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجب سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة غير أنها إن كانت فقيرة يقال للزوج إما أن تدعها حتى تنتقل إلى الماء أو تنقل الماء إليها وقال بعضهم يجب وهو قول الفقيه أبي الليث رحمه الله لأنه لا بد لها منه فنزل منزلة الماء الذي للشرب وذلك ( يجب ) عليه كذا هذا وأما الحيض فلقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن أي يغتسلن ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك أي أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي ولا نص في وجوب الغسل من النفاس وإنما عرف بإجماع الأمة ثم إجماع الأمة يجوز أن يكون بناء على خبر في الباب لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالإجماع عن نقله لكون الإجماع أقوى ويجوز أنهم قاسوا على دم الحيض لكون كل واحد منهما دما خارجا من الرحم فبنوا الإجماع على القياس إذ الإجماع

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٣٨

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٣٨)