البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

مبحث آداب الوضوء

يقوم مقام المسبب خصوصا في موضع الاحتياط ولا غسل فيما دون الفرج بدون الإنزال وكذا الإيلاج في البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل وكذا الاحتلام لأن الفعل فيما دون الفرج وفي البهيمة ليس نظير الفعل في فرج الإنسان في السببية وكذا الاحتلام فيعتبر في ذلك كله حقيقة الإنزال وأما المختلف فيه فمنها أن ينفصل المني لا عن شهوة ويخرج لا عن شهوة بأن ضرب على ظهره ضربا قويا أو حمل حملا ثقيلا فلا غسل فيه عندنا وعند الشافعي فيه الغسل واحتج بما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الماء من الماء أي الاغتسال من المني من غير فصل ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المرأة ترى في المنام يجامعها زوجها فقال صلى الله عليه وسلم أتجد لذة فقيل نعم فقال عليها الاغتسال إذا وجدت الماء ولو لم يختلف الحكم بالشهوة وعدمها لم يكن للسؤال عن اللذة معنى ولأن وجوب الاغتسال معلق بنزول المني وأنه في اللغة اسم المنزل ( ( ( للمنزل ) ) ) عن شهوة لما نذكر في تفسير المني وأما الحديث فالمراد من الماء الماء المتعارف وهو المنزل عن شهوة لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف ومنها أن ينفصل المني عن شهوة ويخرج لا عن شهوة وإنه يوجب الغسل في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يوجب فالمعتبر عندهما الانفصال عن شهوة وعنده المعتبر هو الانفصال مع الخروج عن شهوة وفائدته تظهر في موضعين أحدهما إذا احتلم الرجل فانتبه وقبض على عورته حتى سكنت شهوته ثم خرج المني بلا شهوة والثاني إذا جامع فاغتسل قبل أن يبول ثم خرج منه بقية المني وجه قول أبي يوسف إن جانب الانفصال يوجب الغسل وجانب الخروج ينفيه فلا يجب مع الشك ولهما أنه إذا احتمل الوجوب والعدم فالقول بالوجوب أولى احتياطا ومنها أنه إذا استيقظ فوجد على فخذه أو على فراشه بللا على صورة المذي ولم يتذكر الاحتلام فعليه الغسل في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجب وأجمعوا أنه لو كان منيا أن عليه الغسل لأن الظاهر أنه عن احتلام وأجمعوا أنه إن كان وديا لا غسل عليه لأنه بول غليظ وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه إذا وجد على فرشه ( ( ( فراشه ) ) ) منيا فهو على الاختلاف وكان يقيسه على ما ذكرنا من المسألتين وجه قول أبي يوسف أن المذي يوجب الوضوء دون الاغتسال ولهما ما روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأى الرجل بعد ما ينتبه من نومه بلة ولم يذكر احتلاما اغتسل وإن رأى احتلاما ولم ير بلة فلا غسل عليه وهذا نص في الباب ولأن المني قد يرق بمرور الزمان فيصير في صورة المذي وقد يخرج ذائبا لفرط حرارة الرجل أو ضعفه فكان الاحتياط في الإيجاب ثم المني خاثر أبيض ينكسر منه الذكر وقال الشافعي في كتابه أن له رائحة الطلع والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والودي رقيق يخرج بعد البول وكذا روي عن عائشة رضي الله عنها أنها فسرت هذه المياه بما ذكرنا ولا غسل في الودي والمذي أما الودي فلأنه بقية البول وأما المذي فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال كنت رجلا ( ( ( فحلا ) ) ) مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته تحتي فأمرت المقداد بن الأسود رضي الله عنه فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فحل يمذي وفيه الوضوء نص على الوضوء وأشار إلى نفي وجوب الاغتسال بعلة كثرة الوقوع بقوله كل فحل يمذي وأما الأحكام المتعلقة بالجنابة فما لا يباح للمحدث فعله من مس المصحف بدون غلافه ومس الدراهم التي عليها القرآن ونحو ذلك لا يباح للجنب من طريق الأولى لأن الجنابة أغلظ الحدثين ولو كانت الصحيفة على الأرض فأراد الجنب أن يكتب القرآن عليها روي عن أبي يوسف أنه لا بأس لأنه ليس بحامل للصحيفة والكتابة توجد حرفا حرفا وهذا ليس بقرآن وقال محمد أحب إلي أن لا يكتب لأن كتابة الحروف تجري مجرى القراءة وروي عن أبي يوسف أنه لا يترك الكافر أن يمس المصحف لأن الكافر نجس فيجب تنزيه المصحف عن مسه وقال محمد لا بأس به إذا اغتسل لأن المانع هو الحدث وقد زال بالغسل وإنما بقي نجاسة اعتقاده وذلك في قلبه لا في يده ولا يباح للجنب قراءة القرآن عند عامة العلماء وقال مالك يباح له ذلك وجه قوله أن الجنابة أحد الحدثين فيعتبر بالحدث الآخر وأنه لا يمنع من القراءة كذا

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٣٧

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٣٧)