البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الغسل

بالماء ثم مال بيده إلى الحائط فدلكها بالتراب ثم توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم تنحى فغسل قدميه فالحديث مشتمل على بيان السنة والفريضة جميعا وهل يمسح رأسه عند تقديم الوضوء على الغسل ذكر في ظاهر الرواية أنه يمسح وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح لأن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل معنى المسح فلم يكن فيه فائدة بخلاف سائر الأعضاء لأن التسييل من بعد لا يبطل التسييل من قبل والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن السنة وردت بتقديم الوضوء على الإفاضة على جميع البدن على ما روينا والوضوء اسم للمسح والغسل جميعا إلا أنه يؤخر غسل القدمين لعدم الفائدة في تقديم غسلهما لأنهما يتلوثان بالغسالات من بعد حتى لو اغتسل على موضع لا يجتمع الغسالة تحت قدمه كالحجر ونحوه لا يؤخر لانعدام معنى التلوث ولهذا قالوا في غسل الميت إنه يغسل رجليه عند التوضئة ولا يؤخر غسلهما لأن الغسالة لا تجتمع على التخت ومن مشايخنا من استدل بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين عند تقديم الوضوء على الإفاضة على أن الماء المستعمل نجس إذ لو لم يكن نجسا لم يكن للتحرج عن الظاهر ( ( ( الطاهر ) ) ) معنى فجعلوه حجة أبي حنيفة وأبي يوسف على محمد وليس فيه كبير حجة لأن الإنسان كما يتحرج عن النجس يتحرج عن القذر خصوصا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والماء المستعمل قد أزيل إليه قذر الحدث حتى تعافه الطباع السليمة والله أعلم وأما آدابه فما ذكرنا في الوضوء وأما بيان مقدار الماء الذي يغتسل به فقد ذكر فيظاهر الرواية وقال أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع وفي الوضوء مد لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فقيل له إن لم يكفنا فغضب وقال لقد كفى من هو خير منكم وأكثر شعرا ثم إن محمدا رحمه الله ذكر الصاع في الغسل والمد في الوضوء مطلقا عن الأحوال ولم يفسره قال بعض مشايخنا هذا التقدير في الغسل إذا لم يجمع بين الوضوء والغسل فأما إذا جمع بينهما يحتاج إلى عشرة أرطال رطلان للوضوء وثمانية أرطال للغسل وقال عامة المشايخ إن الصاع كاف لهما وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال في الوضوء إن كان المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) متخففا ولا يستنجي يكفيه رطل واحد لغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وإن كان متخففا ويستنجي يكفيه رطلان رطل للاستنجاء ورطل للباقي ثم هذا التقدير الذي ذكره محمد من الصاع والمد في الغسل والوضوء ليس بتقدير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه أو الزيادة عليه بل هو بيان مقدار أدنى الكفاية عادة حتى إن من أسبع ( ( ( أسبغ ) ) ) الوضوء والغسل بدون ذلك أجزأه وإن لم يكفه زاد عليه لأن طباع الناس وأحوالهم تختلف والدليل عليه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بثلثي مد لكن ينبغي أن يزيد عليه بقدر ما لا إسراف فيه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على سعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ ويصب صبا فاحشا فقال إياك والسرف فقال أو في الوضوء سرف قال نعم لو كنت على ضفة نهر جار وفي رواية ولو كنت على شط بحر وأما صفة الغسل فالغسل قد يكون فرضا وقد يكون واجبا وقد يكون سنة وقد يكون مستحبا أما الغسل الواجب فهو غسل الموتى والسنة فهو غسل يوم الجمعة ويوم عرفة والعيدين وعند الإحرام وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى وههنا نذكر المستحب والفرض أما المستحب فهو غسل الكافر إذا أسلم لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل من جاءه يريد الإسلام وأدنى درجات الأمر الندب والاستحباب هذا إذا لم يعرف أنه جنب فأسلم فأما إذا علم كونه جنبا فأسلم قبل الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يلزمه الاغتسال أيضا لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي من القربات والغسل يصير قربة بالنية فلا يلزمه وقال بعضهم يلزمه لأن الإسلام لا ينافي بقاء الجنابة بدليل أنه لا ينافي بقاء الحدث حتى يلزمه الوضوء بعد الإسلام كذا الجنابة وعلى هذا غسل الصبي والمجنون عند البلوغ والإفاقة وأما الغسل المفروض فثلاثة الغسل من الجنابة والحيض والنفاس أما الجنابة فلقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي اغتسلوا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فالكلام ( ( ( والكلام ) ) ) في الجنابة

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٣٥

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٣٥)