كتاب الهبات › فصل ولا تصح إلا بالإيجاب والقبول
القبول إلا على الفور وقال أبو العباس يصح على التراخي والصحيح هو الأول لانه تمليك مال في حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع لما روت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله فلما حضرته الوفاة قال يا بنية إن أحب الناس غنى بعدي لانت وإن أعز الناس علي فقرا بعدي لانت وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي ووددت أنك جذذتيه وحزته وإنما هو اليوم مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك قالت هذان أخواي فمن أختاي قال ذو بطن بنت خارجة فإني أظنها جارية فإن مات قبل القبض قام وارثه مقامه إن شاء قبض وإن شاء لم يقبض ومن أصحابنا من قال يبطل العقد بالموت لانه غير لازم فبطل بالموت كالعقود الجائزة والمنصوص أنه لا يبطل لانه عقد يؤول إلى اللزوم فلم يبطل بالموت كالبيع بشرط الخيار فإذا قبض ملك بالقبض ومن أصحابنا من قال يتبين أنه ملك بالعقد فإن حدث منه نماء قبل القبض كان للموهوب له لان الشافعي رضي الله عنه قال فيمن وهب له عبد قبل أن يهل عليه هلال شوال وقبض بعد ما أهل أن فطرة العبد على الموهوب له والمذهب الأول وما قال في زكاة الفطر فرعه على قول مالك رحمه الله لم يملك الرجوع فيه لما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما أعطى ولده وإن وهب للولد أو ولد الولد وإن سفل جاز له أن يرجع للخبر ولان الأب لا يتهم في رجوعه لانه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد وإن تصدق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع كالهبة ومن أصحابنا من قال لا يرجع لان القصد بالصدقة طلب الثواب وإصلاح حاله مع الله عز وجل فلا يجوز أن يتغير رأيه في ذلك والقصد من الهبة إصلاح حال الولد وربما كان الصلاح في استرجاعه فجاز له الرجوع وإن تداعى رجلان نسب مولود ووهبا له مالا لم يجز لواحد منهما أن يرجع لانه لم يثبت له بنوته فإن لحق بأحدهما ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه ثبت أنه ولده والثاني لا يجوز لانه لم يثبت له الرجوع في حال العقد وإن وهب لولده ووهب الولد لولده ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه في ملك من يجوز له الرجوع في هبته والثاني لا يجوز لانه رجوع على غير من وهب له فلم يجز وإن وهب لولده شيئا فأفلس الولد وحجر عليه ففيه وجهان أحدهما يرجع لان حقه سابق لحقوق الغرماء والثاني لا يرجع لانه تعلق به حق الغرماء فلم يجز له الرجوع كما لو رهنه فيه ثم عاد إليه فالحكم فيه كالحكم في المبيع إذا زاد في يد المشتري أو زال الملك فيه ثم عاد إليه ثم أفلس في رجوع البائع وقد بيناه في التفليس لم يلزمه أن يثيبه بعوض لان القصد من هبته الصلة فلم تجب المكافأة فيه بعوض كالصدقة وإن وهب لمن هو مثله ( لم يلزمه أيضا أن يثيبه ) لان القصد من هبته اكتساب المحبة وتأكيد الصداقة وإن وهب لمن هو أعلى منه ففيه قولان قال في القديم لم يلزمه أن يثيبه عليه بعوض لان العرف في هبة الأدنى للأعلى أن يلتمس به العوض فيصير ذلك كالمشروط وقال في الجديد لا يجب لانه تمليك بغير عوض فلا يوجب المكافأة بعوض كهبة النظير للنظير فإن قلنا لا يجب فشرط فيه ثوابا معلوما ففيه قولان أحدهما يصح لانه تمليك مال بمال فجاز كالبيع فعلى هذا يكون كبيع بلفظ الهبة في الربا والخيار وجميع أحكامه والثاني أنه باطل لانه عقد لا يقتضي العوض فبطل شرط العوض كالرهن فعلى هذا حكمه حكم البيع الفاسد في جميع