البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الشافعي

المهذب في فقه الإمام الشافعي

أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ)

دار الفكر · بيروت · نص مشروع OpenITI

كتاب الهبات › فصل فإن وهب شيئا لمن هو دونه

أحكامه وإن شرط فيه ثوابا مجهولا بطل قولا واحدا لانه شرط العوض ولانه شرط عوضا مجهولا وإن قلنا إنه يجب العوض ففي قدره ثلاثة أقوال أحدها أنه يلزمه أن يعطيه إلى أن يرضى لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابيا وهب للنبي صلى الله عليه وسلم هبة فأثابه عليها وقال أرضيت قال لا فزاده وقال أرضيت فقال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي والثاني يلزمه قدر قيمته لانه عقد يوجب العوض فإذا لم يكن مسمى وجب عوض المثل كالنكاح والثالث يلزمه ما جرت العادة في ثواب مثله لان العوض وجب بالعرف فوجب مقداره في العرف فإن قلنا إنه يجب العوض فلم يعطه ثبت له الرجوع فإن تلفت العين رجع بقيمتها لان كل عين ثبت له الرجوع بها إذا تلفت وجب الرجوع إلى بدلها كالمبيع ومن أصحابنا من قال لا يجب لان حق الواهب في العين وإن نقصت العين رجع فيها وهل يرجع بأرش ما نقص فيه وجهان كالوجهين في رد القيمة إذا تلفت وإن شرط عوضا مجهولا لم تبطل لانه شرط ما يقتضيه العقد لان العقد على هذا القول يقتضي عوضا مجهولا وإن لم يدفع إليه العوض وتلف الموهوب ضمن العوض بلا خلاف وإن شرط عوضا معلوما ففيه قولان أحدهما أن العقد يبطل لان العقد يقتضي عوضا غير مقدر فبطل بالتقدير والثاني يصح لانه إذا صح بعوض مجهول فلان يصح بعوض معلوم أولى فقال الواهب وهبتك ببدل وقال الموهوب له وهبتني على غير بدل ففيه وجهان أحدهما أن القول قول الواهب لانه لم يقر لخروج الشيء من ملكه إلا على بدل والثاني أن القول قول الموهوب له لان الواهب أقر له بالهبة وادعى بدلا الأصل عدمه العمرى هو أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك أو جعلتها لك عمرك وفيها ثلاث مسائل إحداها أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولعقبك بعدك فهذه عطية صحيحة تصح بالإيجاب والقبول ويملك فيها بالقبض والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث والثانية أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولم يشرط شيئا ففيه قولان قال في القديم هو باطل لانه تمليك عين قدر بمدة فأشبه إذا قال أعمرتك سنة أو أعمرتك حياة زيد وقال في الجديد هو عطية صحيحة ويكون للمعمر في حياته ولورثته بعده وهو الصحيح لما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى حياته فهي له ولعقبه من بعده يرثها من يرثه من بعده ولان الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة فلم يكن ما جعله له في حياته منافيا لحكم الأملاك والثالثة أن يقول أعمرتك حياتك فإن مت عادت إلي إن كنت حيا وإلى ورثتي إن كنت ميتا فهي كالمسألة الثانية فتكون على قولين أحدهما تبطل والثاني تصح لانه شرط أن تعود إليه بعد ما زال ملكه أو إلى وارثه وشرطه بعد زوال الملك لا يؤثر في حق المعمر فيصير وجوده كعدمه فهو أن يقول أرقبتك هذه الدار أو داري لك رقبى ومعناه وهبت لك وكل واحد منا يرقب صاحبه فإن مت قبلى عادت إلي وإن مت قبلك فهي لك فتكون كالمسألة الثالثة من العمرى وقد بينا أن الثالثة كالثانية فتكون على قولين وقال المزني الرقبى أن يجعلها لآخرهما موتا وهذا خطأ لما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعمر عمرى أو أرقب رقبى فهي للمعمر يرثها من يرثه جاز له أن يبرئه من غير رضاه ومن أصحابنا من قال لا يجوز إلا بقبول من عليه الدين لانه تبرع يفتقر إلى تعيين المتبرع عليه فافتقر إلى قبوله كالوصية والهبة ولان فيه التزاما منه فلم يملك من غير قبوله كالهبة والمذهب الأول لانه إسقاط حق ليس فيه تمليك مال فلم يعتبر فيه القبول كالعتق والطلاق والعفو عن الشفعة والقصاص ولا يصح الإبراء من دين مجهول لانه إزالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع والهبة

المهذب في فقه الإمام الشافعي · الجزء ١ · ص ٤٤٨

الإحالة: (الشيرازي، ت ٤٧٦هـ: ١/٤٤٨)