فيكاد يكون ذلك الممهد للعذر ولكن لو فتح هذا الباب انجر إلى أمور شنيعة وهو أن قائلا لو قال : يجوز أن يبعث رسول بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فيبعد التوقف في تكفيره ومستند استحالة ذلك عند البحث تستمد من الاجماع لا محالة فإن العقل لا يحيله وما نقل فيه من قوله : لا نبي بعدي ومن قوله تعالى : خاتم النبيين فلا يعجز هذا القائل عن تأويله فيقول : خاتم النبيين أراد به أولي العزم من الرسل ، فإن قالوا النبيين عام ، فلا يبعد تخصيص العام . وقوله لا نبي بعدي لم يرد به الرسول ، وفرق بين النبي والرسول والنبي أعلى رتبة من الرسول إلى غير ذلك من أنواع الهذيان . فهذا وأمثاله لا يمكن أن ندعي استحالته من حيث مجرد اللفظ فإنا في تأويل ظواهر التشبيه قضينا باحتمالات أبعد من هذه ولم يكن ذلك مبطلا للنصوص ، ولكن الرد على هذا القائل أن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا وعدم رسول الله أبدا وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص فمنكر هذا لا يكون إلا منكر الإجماع ، وعند هذا يتفرع مسائل متقاربة مشتبكة يفتقر كل واحد منها إلى نظر ، والمجتهد في جميع ذلك يحكم بموجب ظنه يقينا وإثباتا والغرض الآن تحرير معاقد الأصول التي ياتي
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٧٣
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٧٣)