مرات على التوالي وتقعد على خلاف عادتك ؛ فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ثلاث مرات ثم قعد ، حصل للحاضرين على ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ببالهم أن هذا الملك من عادته الإغواء أم يستحيل في حقه ذلك . بل لو قال الملك صدقت وقد جعلت رسولا ووكيلا لعلم أنه وكيل ورسول ، فإذا خالف العادة بفعله كان ذلك كقوله أنت رسولي ، وهذا ابتداء نصب وتولية وتفويض ، ولا يتصور الكذب في التفويض وإنما يتصور في الإخبار ، والعلم يكون هذا تصديقا وتفويضا ضروريا ، ولذلك لم ينكر أحد صدق الأنبياء من هذه الجهة ، بل أنكروا كون ما جاء به الأنبياء خارقا للعادة وحملوه على السحر والتلبيس أو أنكروا وجود رب متكلم آمر ناه مصدق مرسل ، فأما من اعترف بجميع ذلك واعترف بكون المعجزة فعل الله تعالى حصل له العلم الضروري بالتصديق . فإن قيل : فهب أنهم رأوا الله تعالى بأعينهم وسمعوه بآذانهم وهو يقول هذا رسولي ليخبركم بطريق سعادتكم وشقاوتكم ، فما الذي يؤمنكم أنه أغوى الرسول والمرسل إليه وأخبر عن المشقى بأنه مسعد وعن المسعد بأنه مشقى فإن ذلك غير محال إذا لم تقولوا بتقبيح العقول ؟ بل لو قدر عدم الرسول ولكن قال الله تعالى شفاها وعيانا
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢١٩
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢١٩)