الثواب من أين وجدها العبد ؟ وهل لها سبب سوى وجوده وقدرته وإرادته وصحة أعضائه وحضور أسبابه ؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ونعمته ؛ فنعوذ بالله من الانخلاع عن غريزة العقل بالكلية ، فإن هذا الكلام من هذا النمط ، فينبغي أن يسترزق الله تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته . الدعوى الثانية : إن لله تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه ، وذهب المعتزلة إلى انكار ذلك ، ومعتقد أهل السنة أن التكليف له حقيقة في نفسه وهو أنه كلام وله مصدر وهو المكلف ، ولا شرط فيه إلا كونه متكلما ، وله مورد وهو المكلف وشرطه أن يكون فاهما للكلام فلا يسمى الكلام مع الجماد والمجنون خطابا ولا تكليفا ، والتكليف نوع خطاب وله متعلق وهو المكلف به وشرطه أن يكون مفهوما فقط ، وأما كونه ممكنا فليس بشرط لتحقيق الكلام فإن التكليف كلام ، فإذا صدر ممن يفهم مع من يفهم فيما يفهم وكان المخاطب دون المخاطب سمي تكليفا ، وإن كان مثله سمي التماسا ، وإن كان فوقه سمي دعاء وسؤالا ، فالاقتضاء في ذاته واحد وهذه الأسامي تختلف عليه باختلاف النسبة ، وبرهان جواز ذلك أن استحالته لا تخلو إما أن تكون لامتناع تصور ذاته ، كاجتماع السواد
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٠٠
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٠٠)