الدليل ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقديم الإلفه والتخلق بأخلاق منذ الصبا . فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك دفع الاشكالات . فإن قيل : فقد رجع كلامكم إلى أن الحسن والقبيح يرجعان إلى الموافقة والمخالفة للأغراض ، ونحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة . أما الاستحسان فمن رأى إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو بشربة ماء معأنه ربما لا يعتقد الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو بمرآى من الناس حتى ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك يرجح جهة الانقاذ على جهة الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك . وأما الذي يستقبح مع الأغراض ، كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في اطلاقها ، فإنه قد يستحسن منه الصبر على السيف وترك النطق به . أو الذي لا يعتقد الشرع وحمل بالسيف على نقض عهد ، ولا ضرر عليه في نقضه وفي الوفاء به هلاكه ، فإنه يستحسن الوفاء بالعهد والامتناع من النقض . فبان أن الحسن والقبح معنى سوى ما ذكرتموه . والجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا الغليل . أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ١٩٣
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/١٩٣)