وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام . وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه ، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها ، فلو قلت له إنه مذهب الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به مهما كان سيء الظن بالأشعري ، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا . وكذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود لي التكذيب . ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم ؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع والتقليد ، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل ، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة ، فيضعون الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه ، وبالدليل كلى ما يوافقه ، وإنما الحق ضده ؛ وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ١٩٢
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/١٩٢)