حرمة فلذلك وجب احترام المصحف لأن فيه دلالة على صفة الله تعالى . الاستبعاد الثالث : إن القرآن كلام الله تعالى أم لا ؟ فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع ، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات ، ومعلوم أن قراءة القارئ هي الحروف والأصوات . فنقول : ها هنا ثلاثة ألفاظ : قراءة ، ومقروء ، وقرآن . أما المقروء فهو كلام الله تعالى ، أعني صفته القديمة القائمة بذاته ، وأما القراءة : فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركا له ، ولا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن ، فإن كان الخصم لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث والمخلوق ، ولكن نقول : القراءة فعل ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله وهو محسوس . وأما القرآن ، فقد يطلق ويراد به المقروء فإن أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق وهو الذي أراده السلف رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أي المقروء بالألسنة ، وإن أريد به القراءة التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق وجود القارئ وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث . وعلى الجملة : من يقول ما أحدثته باختياري من الصوت وتقطيعه وكنت ساكتا عنه قبله فهو قديم ، فلا ينبغي أن يخاطب ويكلف بل ينبغي أن يعلم المسكين أنه ليس يدري ما يقوله ، ولا هو يفهم معنى الحرف ، ولا هو يعلم معنى
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ١٥١
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/١٥١)