البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العلق · الآية ١٧

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذه السورة أول السور القرآنية نزولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة، إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأمره أن يقرأ، فامتنع، وقال: " ما أنا بقارئ " فلم يزل به حتى قرأ. فأنزل الله عليه: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } عموم الخلق، ثم خص الإنسان، وذكر ابتداء خلقه { من علق } فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره، لا بد أن يدبره بالأمر والنهي، وذلك بإرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولهذا ذكر بعد الأمر بالقراءة، خلقه للإنسان. ثم قال: { اقرأ وربك الأكرم } أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم. و { علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم. فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور، ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق، ولكن الإنسان - لجهله وظلمه - إذا رأى نفسه غنيا، طغى وبغى، وتجبر عن الهدى، ونسي أن إلى ربه الرجعى، ولم يخف الجزاء، بل ربما وصلت به الحال أنه يترك الهدى بنفسه، ويدعو [غيره] إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان. يقول الله لهذا المتمرد العاتي: { أرأيت } أيها الناهي للعبد إذا صلى { إن كان } العبد المصلي { على الهدى } العلم بالحق والعمل به، { أو أمر } غيره { بالتقوى }. فهل يحسن أن ينهى من هذا وصفه؟ أليس نهيه من أعظم المحادة لله والمحاربة للحق؟ فإن النهي لا يتوجه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى، أو كان يأمر غيره بخلاف التقوى. { أرأيت إن كذب } الناهي بالحق، { وتولى } عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… الله تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: {أرأيت إن كان على الهدى} أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، أو {أمر بالتقوى} بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؛ ولهذا قال: {ألم يعلم بأن الله يرى} أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء. ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا: {كلا لئن لم ينته} أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد {لنسفعن بالناصية} أي: لنسمنها سوادا يوم القيامة. ثم قال: {ناصية كاذبة خاطئة} يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعالها. {فليدع ناديه} أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم، {سندع الزبانية} وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلب: أحزبنا أو حزبه. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة". ثم قال: تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن عبد الكريم (2) . وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق، به (3) وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، به (4) . وروى أحمد، والترمذي (5) وابن جرير -وهذا لفظه-من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا؟ -وتوعده- فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٣٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٣٥) ↗

التحرير والتنوير

يؤديها في المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها. فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن، جريا على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بين، وجريا على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت. فموقع قوله: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى موقع المقدمة لما يرد بعده من قوله: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله: لا تطعه [العلق: 19] لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله: فليدع ناديه [العلق: 17] . والمعنى: أن ما قاله أبو جهل ناشىء عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان. والتعريف في الإنسان للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه. والطغيان: التعاظم والكبر. والاستغناء: شدة الغنى، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل مثل استجاب واستقر. وأن رآه متعلق ب «يطغى» بحذف لام التعليل لأن حذف الجار مع (أن) كثير شائع، والتقدير: إن الإنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنيا. وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٤٤) ↗