البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الليل · الآية ١

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: { والليل إذا يغشى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب، { والنهار إذا تجلى } للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم، { وما خلق الذكر والأنثى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقساما بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسما بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فأما من أعطى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { واتقى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. { وصدق بالحسنى } أي: صدق ب " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. { فسنيسره لليسرى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. { وأما من بخل } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فأقسم تعالى ب {والليل إذا يغشى} أي: إذا غشي الخليقة بظلامه، {والنهار إذا تجلى} أي: بضيائه وإشراقه، {وما خلق الذكر والأنثى} كقوله: {وخلقناكم أزواجا} [النبأ: 8] ، وكقوله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] . ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: {إن سعيكم لشتى} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، {وصدق بالحسنى} أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خصيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: {وصدق بالحسنى} أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: {وصدق بالحسنى} أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" (1) . وقوله: {فسنيسره لليسرى} قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة. وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة (2) الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها؛ ولهذا قال تعالى: {وأما من بخل} أي: بما عنده، {واستغنى} قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل. رواه ابن أبي حاتم. {وكذب بالحسنى} أي: بالجزاء في الدار الآخرة. {فسنيسره للعسرى} أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 11] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {والليل إذا يغشاها} [الشمس: 4] : إذا غشاها الليل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٣٧) ↗

التحرير والتنوير

اختلف علماء أصول الدين في عد صفات الأفعال من الصفات فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي، أو جعلها من تعلق صفة القدرة فهي حادثة عند الأشعري، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي. وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس، أي خلق العقل والمعرفة في الإنسان، وأما القسم هنا فبخلق جسد الإنسان واختلاف صنفيه، وجملة: إن سعيكم لشتى جواب القسم. والمقصود من التأكيد بالقسم قوله: وما يغني عنه ماله إذا تردى [الليل: 11] . والسعي حقيقته: المشي القوي الحثيث، وهو مستعار هنا للعمل والكد. وشتى: جمع شتيت على وزن فعلى مثل قتيل وقتلى، مشتق من الشت وهو التفرق الشديد يقال: شت جمعهم، إذا تفرقوا، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرا: قليل التشكي للملم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف. والخطاب في قوله: إن سعيكم لجميع الناس من مؤمن وكافر. واعلم أنه قد روي في «الصحيحين» عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله (يعني ابن مسعود) الشام فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ فقلت: أنا. قال: كيف سمعته يقرأ؟ والليل إذا يغشى قال سمعته يقرأ: «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا» . وسماها في «الكشاف» : قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم، أي ثبت أنه قرأ بها، وتأويل ذلك: أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخصا فيه أن يقرأ على بعض اختلاف، ثم نسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبيء صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن. وكتب في المصحف في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم: قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٨٠) ↗