سورة البلد · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقسم تعالى { بهذا البلد } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { ووالد وما ولد } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في كبد } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. ف { يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أيحسب أن لم يره أحد } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورواه [ابن جرير و] (1) ابن أبي حاتم، من حديث شريك -وهو ابن عبد الله القاضي-به. وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخصيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده. وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضا. وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبا -زاد ابن عباس في رواية عنه-في (2) بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 6، 7] ، وكقوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين:4] . وقال ابن [أبي نجيح] (3) جريج وعطاء (4) عن ابن عباس: في كبد، قال: في شدة خلق، ألم تر إليه ... وذكر مولده ونبات أسنانه. قال مجاهد: {في كبد} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق -قال مجاهد: وهو كقوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} وأرضعته كرها، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك. وقال سعيد بن جبير: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} في شدة وطلب معيشة. وقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: في قيامه واعتداله. فلم ينكر عليه أبو جعفر. وروى من طريق أبي مودود: سمعت الحسن قرأ هذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٠١) ↗التحرير والتنوير
والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلهية ولا من صفات أفعاله كناية عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله. وجملة: وأنت حل بهذا البلد معترضة بين المتعاطفات المقسم بها والواو اعتراضية. والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى وأنت حل فيجوز أن يكون حل اسم مصدر أحل، أي أباح، فالمعنى وقد جعلك أهل مكة حلالا بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعضد شجره، وهم مع ذلك يحلون قتلك وإخراجك، قال هذا شرحبيل بن سعد (1) فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من مضمون الجملة وعليه فالإخبار عن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف حل يقدر فيه مضاف يعينه ما يصلح للمقام، أي وأنت حلال منك ما حرم من حق ساكن هذا البلد من الحرمة والأمن. والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في بلد لا يظلمون فيه أحدا. والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها، أي فهم يحرمون أن يتعرضوا بأذى للدواب، ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله. ويجوز أن يكون حل اسما مشتقا من الحل وهو ضد المنع، أي الذي لا تبعة عليه فيما يفعله. قال مجاهد والسدي، أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل أو أنت في حل ممن قاتلك أن تقاتله. وقريب منه عن ابن عباس، أي مهما تمكنت من ذلك. فيصدق بالحال والاستقبال. وقال في «الكشاف» : «يعني وأنت حل به في المستقبل ونظيره في الاستقبال قوله عز وجل: إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] ، تقول لمن تعده بالإكرام والحباء أنت مكرم محبوا اه. فهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم قدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإسلام، ووعد بأنه سيمكنه منهم. وعلى كلا الوجهين في محمل صفة حل هو خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم، وقد خصصه النبيء صلى الله عليه وسلم بيوم الفتح فقال: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار»
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٤٧) ↗