البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة البلد · الآية ١

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقسم تعالى { بهذا البلد } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { ووالد وما ولد } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في كبد } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. ف { يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أيحسب أن لم يره أحد } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ورواه [ابن جرير و] (1) ابن أبي حاتم، من حديث شريك -وهو ابن عبد الله القاضي-به. وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخصيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده. وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضا. وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبا -زاد ابن عباس في رواية عنه-في (2) بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 6، 7] ، وكقوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين:4] . وقال ابن [أبي نجيح] (3) جريج وعطاء (4) عن ابن عباس: في كبد، قال: في شدة خلق، ألم تر إليه ... وذكر مولده ونبات أسنانه. قال مجاهد: {في كبد} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق -قال مجاهد: وهو كقوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} وأرضعته كرها، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك. وقال سعيد بن جبير: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} في شدة وطلب معيشة. وقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: في قيامه واعتداله. فلم ينكر عليه أبو جعفر. وروى من طريق أبي مودود: سمعت الحسن قرأ هذه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٠١) ↗

التحرير والتنوير

… ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة. وما للاستفهام، وهو استفهام ظاهره حقيقي، ومشوب بتوبيخ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة. ومنعك معناه صدك وكفك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما منعك أن تسجد لأنه إنما كف عن السجود لا عن نفي السجود فقد قال تعالى في الآية الأخرى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] ، فلذلك كان ذكر (لا) هنا على خلاف مقتضى الظاهر، فقيل هي مزيدة للتأكيد، ولا تفيد نفيا، لأن الحرف المزيد للتأكيد لا يفيد معنى غير التأكيد. و (لا) من جملة الحروف التي يؤكد بها الكلام كما في قوله تعالى: لا أقسم بهذا البلد [البلد: 1]- وقوله- لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب علما محققا. وقوله تعالى: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء: 95] أي ممنوع أنهم يرجعون منعا محققا، وهذا تأويل الكسائي، والفراء، والزجاج، والزمخشري، وفي توجيه معنى التأكيد إلى الفعل مع كون السجود غير واقع فلا ينبغي تأكيده خفاء لأن التوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكد، فلا ينبغي التعويل على هذا التأويل. وقيل (لا) نافية، ووجودها يؤذن بفعل مقدر دل عليه منعك لأن المانع من شيء يدعو لضده، فكأنه قيل: ما منعك أن تسجد فدعاك إلى أن لا تسجد، فإما أن يكون منعك مستعملا في معنى دعاك، على سبيل المجاز، و (لا) هي قرينة المجاز، وهذا تأويل السكاكي في «المفتاح» في فصل المجاز اللغوي، وقريب منه لعبد الجبار فيما نقله الفخر عنه، وهو أحسن تأويلا، وإما أن يكون قد أريد الفعلان، فذكر أحدهما وحذف الآخر، وأشير إلى المحذوف بمتعلقة الصالح له فيكون من إيجاز الحذف، وهو اختيار الطبري ومن تبعه. وانظر ما قلته عند قوله تعالى: قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن في سورة طه [92، 93] . وقوله: إذ أمرتك ظرف ل تسجد، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر الملائكة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗