البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٩٣

﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: { المعذرون } أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة. لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله: { ليس على الضعفآء } في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. { ولا على المرضى } وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك. { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي: لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا لله ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد. { ما على المحسنين من سبيل } أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم - بإحسانهم فيما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد - أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان. { والله غفور رحيم } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر: ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم، إنا نسمعك تقول: {ما على المحسنين من سبيل} اللهم، وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب "براءة" فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذا جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فأنزل الله (1) {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} الآية (2) وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني (3) فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: "والله لا (4) أجد ما أحملكم عليه". فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه، فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} إلى قوله تعالى: {فهم لا يعلمون} . وقال مجاهد في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير (5) -ومن بني واقف: هرمي (6) بن عمرو -ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى -ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر -ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] (7) ومن بني …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وهم أهل غنى وقوة وطاقة للجهاد والغزو، نفاقا وشكا في وعد الله ووعيده. {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} [التوبة: 87] يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء، وهن الخوالف خلف

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٢٧) ↗

التحرير والتنوير

93] إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) لما نفت الآيتان السابقتان أن يكون سبيل على المؤمنين الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون والذين لم يجدوا حمولة، حصرت هذه الآية السبيل في كونه على الذين يستأذنون في التخلف وهم أغنياء، وهو انتقال بالتخلص إلى العودة إلى أحوال المنافقين كما دل عليه قوله بعد يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم [التوبة: 94] ، فالقصر إضافي بالنسبة للأصناف الذين نفي أن يكون عليهم سبيل. وفي هذا الحصر تأكيد للنفي السابق، أي لا سبيل عقاب إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء. والمراد بهم المنافقون بالمدينة الذين يكرهون الجهاد إذ لا يؤمنون بما وعد الله عليه من الخيرات وهم أولو الطول المذكورون في قوله: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله [التوبة: 86] الآية. والسبيل: حقيقته الطريق. ومر في قوله: ما على المحسنين من سبيل [التوبة: 91] . وقوله: إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء مستعار لمعنى السلطان والمؤاخذة بالتبعة، شبه السلطان والمؤاخذة بالطريق لأن السلطة يتوصل بها من هي له إلى تنفيذ المؤاخذة في الغير. ولذلك عدي بحرف (على) المفيد لمعنى الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن من التصرف في مدخول (على) . فكان هذا التركيب استعارة مكنية رمز إليها بما هو من ملائمات المشبه به وهو حرف (على) . وفيه استعارة تبعية. والتعريف باللام في قوله: إنما السبيل تعريف العهد، والمعهود هو السبيل المنفي في قوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل [التوبة: 91] على قاعدة النكرة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٥) ↗