البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٩٢

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: { المعذرون } أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة. لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله: { ليس على الضعفآء } في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. { ولا على المرضى } وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك. { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي: لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا لله ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد. { ما على المحسنين من سبيل } أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم - بإحسانهم فيما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد - أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان. { والله غفور رحيم } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… على المرضى} الآية (2) وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني (3) فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: "والله لا (4) أجد ما أحملكم عليه". فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه، فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} إلى قوله تعالى: {فهم لا يعلمون} . وقال مجاهد في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير (5) -ومن بني واقف: هرمي (6) بن عمرو -ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى -ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر -ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] (7) ومن بني سلمة: عمرو بن عنمة (8) وعبد الله بن عمرو المزني. وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٩٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الله معك يا محمد، قلت لهم: لا أجد حمولة أحملكم عليها. {تولوا} [البقرة: 115] يقول: أدبروا عنك {وأعينهم تفيض من الدمع حزنا} [التوبة: 92] وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون ويتحملون به للجهاد في سبيل الله. وذكر بعضهم أن هذه الآية نزلت في نفر من مزينة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٢٤) ↗

التحرير والتنوير

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. جملة معطوفة على جملة يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا والمناسبة بين الجملتين: أن كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضعهم الناس في مقامات الرفعة والسؤدد وليسوا أهلا لذلك، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم، وكانوا منطوين على خبائث خفية، ومضمون الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم، فبين الله أن تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل الله لا تغني عنهم شيئا من العذاب. وأما وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة: فذلك أن هذه السورة نزلت إثر غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في وقت عسرة، وكانت الحاجة إلى العدة والظهر كثيرة، كما أشارت إليه آية ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون [التوبة: 92] وقد ورد في «السيرة» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، وقد أنفق عثمان بن عفان ألف دينار ذهبا على جيش غزوة تبوك وحمل كثير من أهل الغنى فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ولا شك أنهم من المنافقين. والكنز- بفتح الكاف- مصدر كنز إذا ادخر مالا، ويطلق على المال من الذهب والفضة الذي يخزن، من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. وسبيل الله هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا. فالموصول مراد به قوم معهودون يعرفون أنهم المراد من الوعيد، ويعرفهم المسلمون فلذلك لم يثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم أنب قوما بأعيانهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٧٦) ↗