سورة التوبة · الآية ٧٦
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه { لئن آتانا من فضله } من الدنيا فبسطها لنا ووسعها { لنصدقن ولنكونن من الصالحين } فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة. { فلمآ آتاهم من فضله } لم يفوا بما قالوا، بل { بخلوا به وتولوا } عن الطاعة والانقياد { وهم معرضون } أي: غير ملتفتين إلى الخير. فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم } مستمرا { إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }. فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف ". فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده، لئن أعطاه الله من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع بقوله: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له " ثعلبة " جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يدعو الله له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فكان له غنم، فلم تزل تتنامى حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاؤوا فأخبروا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت". قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزق ثعلبة مالا". قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقى الركبان (1) يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل ثعلبة"؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة. فأخبروه بأمره فقال: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة". وأنزل الله جل ثناؤه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} الآية [التوبة: 103] قال: ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة: رجلا من جهينة، ورجلا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مرا بثعلبة، وبفلان -رجل من بني سليم -فخذا صدقاتهما". فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية. ما هذه إلا أخت الجزية. ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي. فانطلقا وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما (2) بها فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له. فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {من عاهد الله} [التوبة: 75] يقوله: أعطى الله عهدا {لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٧٦) ↗التحرير والتنوير
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب من المنافقين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بسعة الرزق فدعا له فأثرى إثراء كثيرا فلما جاءه المصدقون ليعطي زكاة أنعامه امتنع من ذلك ثم ندم فجاء بصدقته فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها منه. وذكروا من قصته أنه تاب ولكن لم تقبل صدقته في زمن النبيء ولا في زمن الخلفاء الثلاثة بعده عقوبة له وإظهارا للاستغناء عنه حتى مات في خلافة عثمان، وقد قيل: إن قائل ذلك هو معتب بن قشير، وعلى هذا فضمائر الجمع في لنصدقن وما بعده مراد بها واحد وإنما نسبت الفعل إلى جماعة المنافقين على طريقة العرب في إلصاق فعل الواحد بقبيلته. ويحتمل أن ثعلبة سأل ذلك فتبعه بعض أصحابه مثل معتب بن قشير فأوتي مثل ما أوتي ثعلبة وبخل مثل ما بخل وإن لم تجىء فيه قصة كما تقدم آنفا. وجملة لنصدقن بيان لجملة عاهد الله وفعل لنصدقن أصله لنتصدقن فأدغم للتخفيف. والإعراض: إعراضهم عن عهدهم وعن شكر نعمة ربهم. وفأعقبهم نفاقا جعل نفاقا عقب ذلك أي إثره ولما ضمن أعقب معنى أعطى نصب مفعولين والأصل أعقبهم بنفاق. والضمير المستتر في أعقبهم للمذكور من أحوالهم، أو للبخل المأخوذ من بخلوا، فإسناد الإعقاب مجاز عقلي، أو يعود إلى اسم الله تعالى في قوله من عاهد الله أي جعل فعلهم ذلك سببا في بقاء النفاق في قلوبهم إلى موتهم،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٧٢) ↗