البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٧٥

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه { لئن آتانا من فضله } من الدنيا فبسطها لنا ووسعها { لنصدقن ولنكونن من الصالحين } فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة. { فلمآ آتاهم من فضله } لم يفوا بما قالوا، بل { بخلوا به وتولوا } عن الطاعة والانقياد { وهم معرضون } أي: غير ملتفتين إلى الخير. فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم } مستمرا { إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }. فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف ". فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده، لئن أعطاه الله من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع بقوله: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له " ثعلبة " جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يدعو الله له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فكان له غنم، فلم تزل تتنامى حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاؤوا فأخبروا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… ثم عودا إلي. فانطلقا وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما (2) بها فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له. فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي (3) صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله، عز وجل: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} قال: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة. قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك". فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [هذا] (4) عملك، قد أمرتك فلم تطعني". فلما أبى أن يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى منزله، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا. ثم أتى أبا بكر، رضي الله عنه، حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر، رضي الله عنه، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وأنا (5) أقبلها منك! فقبض ولم يقبلها؛ ثم ولي عثمان، رضي الله عنه، [فأتاه] (6) فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٨٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {من عاهد الله} [التوبة: 75] يقوله: أعطى الله عهدا {لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٧٦) ↗

التحرير والتنوير

ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب من المنافقين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بسعة الرزق فدعا له فأثرى إثراء كثيرا فلما جاءه المصدقون ليعطي زكاة أنعامه امتنع من ذلك ثم ندم فجاء بصدقته فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها منه. وذكروا من قصته أنه تاب ولكن لم تقبل صدقته في زمن النبيء ولا في زمن الخلفاء الثلاثة بعده عقوبة له وإظهارا للاستغناء عنه حتى مات في خلافة عثمان، وقد قيل: إن قائل ذلك هو معتب بن قشير، وعلى هذا فضمائر الجمع في لنصدقن وما بعده مراد بها واحد وإنما نسبت الفعل إلى جماعة المنافقين على طريقة العرب في إلصاق فعل الواحد بقبيلته. ويحتمل أن ثعلبة سأل ذلك فتبعه بعض أصحابه مثل معتب بن قشير فأوتي مثل ما أوتي ثعلبة وبخل مثل ما بخل وإن لم تجىء فيه قصة كما تقدم آنفا. وجملة لنصدقن بيان لجملة عاهد الله وفعل لنصدقن أصله لنتصدقن فأدغم للتخفيف. والإعراض: إعراضهم عن عهدهم وعن شكر نعمة ربهم. وفأعقبهم نفاقا جعل نفاقا عقب ذلك أي إثره ولما ضمن أعقب معنى أعطى نصب مفعولين والأصل أعقبهم بنفاق. والضمير المستتر في أعقبهم للمذكور من أحوالهم، أو للبخل المأخوذ من بخلوا، فإسناد الإعقاب مجاز عقلي، أو يعود إلى اسم الله تعالى في قوله من عاهد الله أي جعل فعلهم ذلك سببا في بقاء النفاق في قلوبهم إلى موتهم،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٧٢) ↗