سورة التوبة · الآية ٧٢
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض، ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فقال: { والمؤمنون والمؤمنات } أي: ذكورهم وإناثهم { بعضهم أوليآء بعض } في المحبة والموالاة والانتماء والنصرة. { يأمرون بالمعروف } وهو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، { وينهون عن المنكر } وهو: كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة. { ويطيعون الله ورسوله } أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله ورسوله على الدوام. { أولئك سيرحمهم الله } أي: يدخلهم في رحمته، ويشملهم بإحسانه. { إن الله عزيز حكيم } أي: قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به. ثم ذكر ما أعد الله لهم من الثواب فقال: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } جامعة لكل نعيم وفرح، خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة، التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا الله تعالى. { خالدين فيها } لا يبغون عنها حولا { ومساكن طيبة في جنات عدن } قد زخرفت وحسنت وأعدت لعباد الله المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن الله تعالى قد أعد لهم غرفا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. فهذه المساكن الأنيقة، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح، لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها. { ورضوان من الله } يحله على أهل الجنة { أكبر } مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمها العابدون، والنهاية التي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة، كما تراؤون الكوكب في السماء". أخرجاه في الصحيحين (2) ثم ليعلم (3) أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له: "الوسيلة" لقربه من العرش، وهو مسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنة، كما قال الإمام أحمد [بن حنبل] (4) حدثنا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة" قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو" (5) وفي صحيح مسلم، من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أني أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة" (6) [وفي صحيح البخاري، من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة"] (7) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا -أو شفيعا -يوم القيامة" (8) وفي مسند الإمام أحمد، من حديث سعد (9) أبي مجاهد الطائي، عن أبي المدله، عن أبي هريرة، رضي الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٥٧) ↗التحرير والتنوير
وزيد في وصف المؤمنين هنا يقيمون الصلاة تنويها بأن الصلاة هي أعظم المعروف. وقوله: ويؤتون الزكاة مقابل قوله في المنافقين ويقبضون أيديهم [التوبة: 67] . وقوله ويطيعون الله ورسوله مقابل قوله في المنافقين نسوا الله [التوبة: 67] لأن الطاعة تقتضي مراقبة المطاع فهي ضد النسيان. وقوله: أولئك سيرحمهم الله مقابل قوله في المنافقين فنسيهم [التوبة: 67] . والسين لتأكيد حصول الرحمة في المستقبل، فحرف الاستقبال يفيد مع المضارع ما تفيد (قد) مع الماضي كقوله: ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5] . والإشارة للدلالة على أن ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياء به من أجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة. وجملة: إن الله عزيز حكيم تعليل لجملة سيرحمهم الله أي: أنه تعالى لعزته ينفع أولياءه وأنه لحكمته يضع الجزاء لمستحقه. [72] 72] وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) موقع هذه الجملة بعد قوله: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة: 71] ، كموقع جملة: وعد الله المنافقين والمنافقات [التوبة: 68] بعد قوله: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض [التوبة: 67] الآية. وهي أيضا كالاستئناف البياني الناشئ عن قوله: أولئك سيرحمهم الله [التوبة: 71] مثل قوله في الآية السابقة يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم [التوبة: 21] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٦٣) ↗