البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٦٦

﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كانت هذه السورة الكريمة تسمى " الفاضحة " لأنها بينت أسرار المنافقين، وهتكت أستارهم، فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: أن الله ستير يحب الستر على عباده. والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف. قال الله تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [الأحزاب: 60-61]. وقال هنا { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } أي تخبرهم وتفضحهم، وتبين أسرارهم، حتى تكون علانية لعباده، ويكونوا عبرة للمعتبرين. { قل استهزءوا } أي: استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية. { إن الله مخرج ما تحذرون } وقد وفى تعالى بوعده، فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم وهتكت أستارهم. { ولئن سألتهم } عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم، يقول طائفة منهم في غزوة تبوك " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - أرغب بطونا، [وأكذب ألسنا] وأجبن عند اللقاء " ونحو ذلك. ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكلامهم، جاؤوا يعتذرون إليه ويقولون { إنما كنا نخوض ونلعب } أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به، ولا قصدنا الطعن والعيب. قال الله تعالى - مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك -: { قل } لهم { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة. ولهذا لما جاؤوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة، والرسول لا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها. هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: "علي بهؤلاء النفر". فدعاهم، فقال: "قلتم كذا وكذا". فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب. وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم، إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، وتجيب منها القلوب، اللهم، فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره (7) وقوله: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} أي: لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم، {بأنهم كانوا مجرمين} أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. يقول تعالى منكرا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون (8) يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم} أي: عن الإنفاق في سبيل الله، {نسوا الله} أي: نسوا ذكر الله، {فنسيهم} أي: عاملهم

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٧٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به {بعد إيمانكم} [البقرة: 109] يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به. {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] وذكر أنه عني بالطائفة في هذا الموضع رجل واحد

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٤٦) ↗

التحرير والتنوير

… ورسوله لا بغير أولئك، فقصر الاستهزاء على تعلقه بمن ذكر اقتضى أن الاستهزاء واقع لا محالة لأن القصر قيد في الخبر الفعلي، فيقتضي وقوع الفعل، على ما قرره عبد القاهر في معنى القصر الواقع في قول القائل: أنا سعيت في حاجتك وأنه يؤكد بنحو: وحدي، أو لا غيري، وأنه يقتضي وقوع الفعل فلا يقال: ما أنا قلت هذا ولا غيري، أي ولا يقال: أنا سعيت في حاجتك وغيري، وكذلك هنا لا يصح أن يفهم أبالله كنتم تستهزئون أم لم تكونوا مستهزئين. والاستهزاء بالله وبآياته إلزام لهم: لأنهم استهزأوا برسوله وبدينه، فلزمهم الاستهزاء بالذي أرسله بآيات صدقه. [66] 66] لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم. لما كان قولهم: إنما كنا نخوض ونلعب [التوبة: 65] اعتذارا عن مناجاتهم، أي إظهارا للعذر الذي تناجوا من أجله، وأنه ما يحتاجه المتعب: من الارتياح إلى المزح والحديث في غير الجد، فلما كشف الله أمر استهزائهم، أردفه بإظهار قلة جدوى اعتذارهم إذ قد تلبسوا بما هو أشنع وأكبر مما اعتذروا عنه، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان. فإن الله لما أظهر نفاقهم. كان ما يصدر عنهم من الاستهزاء أهون فجملة لا تعتذروا من جملة القول الذي أمر الرسول أن يقوله، وهي ارتقاء في توبيخهم، فهي متضمنة توكيدا لمضمون جملة أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن [التوبة: 65] ، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأنهم تلبسوا بما هو أشد وهو الكفر، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها، على أن شأن الجمل الواقعة في مقام التوبيخ أن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٥١) ↗