البيانابحثاسألالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٦٣

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ومن هؤلاء المنافقين { الذين يؤذون النبي } بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، { ويقولون هو أذن } أي: لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون: إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي: يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم - قبحهم الله - فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل. فأساؤوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة. ومنها: عدم اهتمامهم أيضا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية. ومنها: قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى: { قل أذن خير لكم } أي: يقبل من قال له خيرا وصدقا. وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم، وامتثاله لأمر الله في قوله: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس [التوبة: 95]. وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، { ورحمة للذين آمنوا منكم } فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون. وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة، بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، { والذين يؤذون رسول الله } بالقول أو الفعل { لهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه. { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } فيتبرؤوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ترضوا عليهم. { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } لأن المؤمن لا يقدم شيئا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

لا إله إلا هو، ولا رب سواه. يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويقولون: {هو أذن} أي: من قال له شيئا صدقه، ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قال الله تعالى: {قل أذن خير لكم} أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب، {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} أي: ويصدق المؤمنين، {ورحمة للذين آمنوا منكم} أي: وهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} . قال قتادة في قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا، لهم شر من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار. قال: فسعى بها الرجل إلى النبي (1) صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: "ما حملك على الذي قلت؟ " فجعل يلتعن، ويحلف بالله ما قال ذلك. وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله، عز وجل: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} وقوله تعالى: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها} (2) أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد (3) الله، أي: شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد والله ورسوله في حد {فأن له نار جهنم خالدا فيها} أي: مهانا معذبا، {ذلك الخزي العظيم} أي: وهذا هو الذل العظيم، والشقاء الكبير. قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا هذا. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٧٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فيناوئهما بالخلاف عليهما {فأن له نار جهنم} [التوبة: 63] في الآخرة. {خالدا فيها} [النساء: 14] يقول: لابثا فيها، مقيما إلى غير نهاية. {ذلك الخزي العظيم} [التوبة: 63] يقول: فلبثه في نار جهنم وخلوده فيها هو الهوان والذل العظيم، وقرأت القراء: {فأن} [الأنفال: 41] بفتح الألف من أن بمعنى: ألم يعلموا أن لمن حاد الله ورسوله نار جهنم، وإعمال يعلموا فيها، كأنهم جعلوا أن الثانية مكررة على الأولى، واعتمدوا عليها؛ إذ كان الخبر معها دون الأولى.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٤٠) ↗

التحرير والتنوير

63] ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) هذه الجملة تتنزل من جملة والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] منزلة التعليل، لأن العاقل لا يرضى لنفسه عملا يؤول به إلى مثل هذا العذاب، فلا يقدم على ذلك إلا من لا يعلم أن من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا المصير السيء. والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع، لأن عدم علمهم بذلك محقق بضرورة أنهم كافرون بالرسول، وبأن رضى الله عند رضاه ولكن لما كان عدم علمهم بذلك غريبا لوجود الدلائل المقتضية أنه مما يحق أن يعلموه، كان حال عدم العلم به حالا منكرا. وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهم، كقوله في هذه السورة: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده [التوبة: 104] وقوله: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم [التوبة: 78] وقول مويال بن جهم المذحجي، أو مبشر بن هذيل الفزاري: ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل فكأنه قيل: فليعلموا أنه من يحادد الله إلخ. والضمير المنصوب ب أنه ضمير الشأن، وفسر الضمير بجملة من يحادد الله إلى آخرها. والمعنى: ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنم. وفك الدالان من يحادد ولم يدغما لأنه وقع مجزوما فجاز فيه الفك والإدغام، والفك أشهر وأكثر في القرآن، وهو لغة أهل الحجاز، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله: ومن يشاق الله في سورة الحشر [4] في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم. والمحادة: المعاداة والمخالفة. والفاء في فأن له نار جهنم لربط جواب شرط من.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٤٦) ↗