سورة التوبة · الآية ٦٢
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ومن هؤلاء المنافقين { الذين يؤذون النبي } بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، { ويقولون هو أذن } أي: لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون: إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي: يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم - قبحهم الله - فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل. فأساؤوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة. ومنها: عدم اهتمامهم أيضا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية. ومنها: قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى: { قل أذن خير لكم } أي: يقبل من قال له خيرا وصدقا. وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم، وامتثاله لأمر الله في قوله: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس [التوبة: 95]. وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، { ورحمة للذين آمنوا منكم } فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون. وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة، بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، { والذين يؤذون رسول الله } بالقول أو الفعل { لهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه. { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } فيتبرؤوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ترضوا عليهم. { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } لأن المؤمن لا يقدم شيئا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لا إله إلا هو، ولا رب سواه. يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويقولون: {هو أذن} أي: من قال له شيئا صدقه، ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قال الله تعالى: {قل أذن خير لكم} أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب، {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} أي: ويصدق المؤمنين، {ورحمة للذين آمنوا منكم} أي: وهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} . قال قتادة في قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا، لهم شر من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار. قال: فسعى بها الرجل إلى النبي (1) صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: "ما حملك على الذي قلت؟ " فجعل يلتعن، ويحلف بالله ما قال ذلك. وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله، عز وجل: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} وقوله تعالى: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها} (2) أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد (3) الله، أي: شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد والله ورسوله في حد {فأن له نار جهنم خالدا فيها} أي: مهانا معذبا، {ذلك الخزي العظيم} أي: وهذا هو الذل العظيم، والشقاء الكبير. قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا هذا. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٧٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وسلم، وذكرهم إياه، بالطعن عليه والعيب له، ومطابقتهم سرا أهل الكفر عليكم بالله، والأيمان الفاجرة أنهم ما فعلوا ذلك وأنهم لعلى دينكم ومعكم على من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم. يقول الله جل ثناؤه: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا {إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62] يقول: إن كانوا مصدقين بتوحيد الله، مقرين بوعده ووعيده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٣٩) ↗التحرير والتنوير
بالإيمان، كما فسر به المفسرون، يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر، وهم المنافقون. وقرأ حمزة- بجر- ورحمة عطفا على خير، أي أذن رحمة، والمآل واحد. وقد جاء ذكر هذه الخصلة مع الخصلتين الأخريين على عادة القرآن في انتهاز فرصة الإرشاد إلى الخير، بالترغيب والترهيب، فرغبهم في الإيمان ليكفروا عن سيئاتهم الفارطة، ثم أعقب الترغيب بالترهيب من عواقب إيذاء الرسول بقوله: والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم وهو إنذار بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا. وفي ذكر النبيء بوصف رسول الله إيماء إلى استحقاق مؤذيه العذاب الأليم، فهو من تعليق الحكم بالمشتق المؤذن بالعلية. وفي الموصول إيماء إلى أن علة العذاب هي الإيذاء، فالعلة مركبة. [62] 62] يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم، لأن ما حكي هنا حال من أحوال جميعهم. فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا، لإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة، فلا تغرهم أيمانهم، فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبيء. والمراد: الحلف الكاذب، بقرينة قوله: والله ورسوله أحق أن يرضوه، أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها، على أنه قد علم أن أيمانهم كاذبة مما تقدم في قوله: وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون [التوبة: 42] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٤٤) ↗