سورة التوبة · الآية ٥٦
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضي ربهم، وعصوا الله لأجلها { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن. فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي -لما ألهتهم عن الله وذكره- صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا. ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا { وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة. { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم } قصدهم في حلفهم هذا أنهم { قوم يفرقون } أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم. فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرؤوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب. وأما حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب. ثم ذكر شدة جبنهم فقال: { لو يجدون ملجئا } يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، { أو مغارات } يدخلونها فيستقرون فيها { أو مدخلا } أي: محلا يدخلونه فيتحصنون فيه { لولوا إليه وهم يجمحون } أي: يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة يقتدرون بها على الثبات.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٥٥–٥٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس. وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. {ورعد} وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم [هم العدو] (1) } [المنافقون: 4] وقال: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة: 56، 57] . والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} أي: ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا؛ لأن الله محيط [بهم] (2) بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: {هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل الذين كفروا في تكذيب * والله من ورائهم محيط} [البروج: 17-20] . [والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه: قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم: يحكوك بالمثقولة القواطع %~% شفق البرق عن الصواقع (3) قال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة، حكى ذلك. ثم قال: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي لشدة ضوء الحق، {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا (4) به واتبعوه، وتارة تعرض لهم الشكوك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهل دينكم وملتكم، بل هم أهل شك ونفاق. {ولكنهم قوم يفرقون} [التوبة: 56] يقول: ولكنهم قوم يخافونكم، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم: إنا منكم؛ ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٠٢) ↗التحرير والتنوير
وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر. وبعض القراء سماها (لام أن) - بفتح الهمزة- وتقدم عند قوله تعالى: يريد الله ليبين لكم في سورة النساء [26] . فقوله: في الحياة الدنيا متعلق ب ليعذبهم ومحاولة التقديم والتأخير تعسف وعطف وتزهق على ليعذبهم باعتبار كونه أراده الله لهم عند ما رزقهم الأموال والأولاد فيعلم منه: أنه أراد موتهم على الكفر، فيستغرق التعذيب بأموالهم وأولادهم حياتهم كلها، لأنهم لو آمنوا في جزء من آخر حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشح. وجملة: وهم كافرون في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنه إذا زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافرا. والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى: ولو أعجبك كثرة الخبيث [المائدة: 100] أي استحسنت مرأى وفرة عدده. و (الزهوق) الخروج بشدة وضيق، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد، وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة. [56] 56] ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من أخبار أهل النفاق. وضمائر الجمع عائدة إليهم، قصد منها إبطال ما يموهون به على المسلمين من تأكيد كونهم مؤمنين بالقسم على أنهم من المؤمنين. فمعنى: إنهم لمنكم أي بعض من المخاطبين ولما كان المخاطبون مؤمنين، كان التبعيض على اعتبار اتصافهم بالإيمان، بقرينة القسم لأنهم توجسوا شك المؤمنين في أنهم مثلهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٢٩) ↗