البيانابحثاسألالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٥٥

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضي ربهم، وعصوا الله لأجلها { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن. فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي -لما ألهتهم عن الله وذكره- صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا. ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا { وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة. { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم } قصدهم في حلفهم هذا أنهم { قوم يفرقون } أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم. فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرؤوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب. وأما حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب. ثم ذكر شدة جبنهم فقال: { لو يجدون ملجئا } يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، { أو مغارات } يدخلونها فيستقرون فيها { أو مدخلا } أي: محلا يدخلونه فيتحصنون فيه { لولوا إليه وهم يجمحون } أي: يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة يقتدرون بها على الثبات.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٥٥–٥٧) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وأبقى} [طه: 131] وقال: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون:55، 56] وقوله: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} قال الحسن البصري: بزكاتها، والنفقة منها في سبيل الله. وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، [في الحياة الدنيا] (1) إنما يريد الله ليعذبهم بها [في الآخرة] (2) واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن. وقوله: {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم، عياذا بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه. يخبر الله تعالى نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم {يحلفون بالله إنهم لمنكم} يمينا مؤكدة، {وما هم منكم} أي: في نفس الأمر، {ولكنهم قوم يفرقون} أي: فهو الذي حملهم على الحلف. {لو يجدون ملجأ} أي: حصنا يتحصنون به، وحرزا يحترزون به، {أو مغارات} وهي التي في الجبال، {أو مدخلا} وهو السرب في الأرض والنفق. قال ذلك في الثلاثة ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {لولوا إليه وهم يجمحون} أي: يسرعون في ذهابهم عنكم، لأنهم إنما يخالطونكم كرها لا محبة، وودوا أنهم لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام؛ ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة؛ فلهذا كلما سر المؤمنون ساءهم ذلك، فهم يودون ألا يخالطوا المؤمنين؛ ولهذا قال: {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون}

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٦٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك: التقديم وهو مؤخر

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٠٠) ↗

التحرير والتنوير

54] وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) عطف على جملة إنكم كنتم قوما فاسقين [التوبة: 53] لأن هذا بيان للتعليل لعدم قبول نفقاتهم بزيادة ذكر سببين آخرين مانعين من قبول أعمالهم هما من آثار الكفر والفسوق. وهما: أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون. والكفر وإن كان وحده كافيا في عدم القبول، إلا أن ذكر هذين السببين إشارة إلى تمكن الكفر من قلوبهم وإلى مذمتهم بالنفاق الدال على الجبن والتردد. فذكر الكفر بيان لذكر الفسوق، وذكر التكاسل عن الصلاة لإظهار أنهم متهاونون بأعظم عبادة فكيف يكون إنفاقهم عن إخلاص ورغبة. وذكر الكراهية في الإنفاق لإظهار عدم الإخلاص في هذه الخصلة المتحدث عنها. وقرأ حمزة والكسائي: أن يقبل منهم- بالمثناة التحتية- لأن جمع غير المؤنث الحقيقي يجوز فيه التذكير وضده. [55] فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) تفريع على مذمة حالهم في أموالهم، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طمأنينة بال، بإعلام المسلمين أن ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة الدنيا لا ينبغي أن يكون محل إعجاب المؤمنين، وأن يحسبوا المنافقين قد نالوا شيئا من الحظ العاجل ببيان أن ذلك سبب في عذابهم في الدنيا. فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم، والمراد تعليم الأمة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٢٧) ↗